
مبروك الاستقالة … حين تنتصر البيروقراطية بقلم الكاتب حمد حسن التميمي
أخطر ما في تبدل المواقف ليس الغضب المفاجئ. بل ذلك الارتياح القديم الذي يتهدم ببطء. يجلس المرء منا لسنوات في مكان يألف تفاصيله. يضحك بصدق من أسئلة الأصدقاء العابرة: “لماذا لا تنتقل للعمل معنا؟” أو “لماذا لا تجرب مكاناً آخر؟”. ويستبعد الفكرة تماماً، لأنه مستقر نفسياً وروحياً. لكن موقفاً واحداً يمر في العمل يكفي لتغيير كل شيء. يهتز الارتياح العتيق وتتحول الفكرة من خاطر عابر إلى زائر متكرر، يطرق بابك كل أيام قليلة. كأن عقلك يحاول إخبارك بشيء لا تريد سماعه. هذا التكرار ليس نزوة بل إشارة، وما رصده عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، أحد أهم مؤسسي علم الاجتماع الحديث، في نظريته الكلاسيكية عن البيروقراطية، يفسر جذر هذه الإشارة. وصف فيبر الأنظمة الإدارية الصارمة بأنها قفص حديدي، يحاصر الإنسان بقواعد جامدة وأقدمية وظيفية تتجاهل الكفاءة الفعلية لمن يعمل بداخله. غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال لا مهرب منه: إذا كانت القواعد موضوعة لحماية العدالة بين الموظفين، فلماذا تتحول في كثير من الأحيان إلى أداة تكافئ من ينتظر دوره، وتعاقب من يتجاوز توقعاته؟
والإجابة تبدأ من فهم أصل الفكرة قبل أن تنحرف عن غايتها. البيروقراطية في جوهرها فكرة عادلة. تقول إن الترقية يجب أن تسير بمعايير موضوعية، لا بتقدير شخصي قد يختلف من حالة لأخرى. لكن هذه العدالة الشكلية تتحول إلى ظلم حقيقي حين تُقاس القيمة بسنوات الخدمة والدرجة الورقية وحدها. متجاهلة أن بعض الناس يُنجزون في سنة ما لا ينجزه آخرون في عشر. كثيرون يؤدون مهمة كاملة بكل أعبائها وأثرها الحقيقي. يحملون قراراً صعباً ومسؤولية ثقيلة، ويتركون صدى واضحاً يلمسه من حولهم. لكنهم يُحرمون من الاعتراف الرسمي الذي يوازي هذا الأثر، لأن النظام يقول إن رقماً ما لم يصل بعد، حتى لو كان الأثر الفعلي قد وصل من زمن وتحدث عنه الجميع. والمفارقة أن أغلب الأنظمة، حتى الأكثر صرامة منها، تحتفظ في صلبها بمساحة استثناء لمن يستحق. نصاً يمنح السلطة العليا حق التجاوز عن القاعدة حين يكون الإنجاز مشهوداً والمصداقية ثابتة. فيبقى السؤال معلقاً: متى تُستخدم هذه المساحة، إن لم تُستخدم الآن، مع من يستحقها بوضوح لا يحتاج إلى تفسير؟
وتاريخنا العربي نفسه يقدم شواهد لا تُحصى على أن الورقة لا تصنع القيمة وحدها. عباس العقاد لم يتجاوز تعليمه الشهادة الابتدائية. ومع ذلك ترك أكثر من مائة كتاب وآلاف المقالات، وأسس مدرسة الديوان في الشعر العربي، حتى إنه رفض الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة، كأنه يريد أن يقول إن أثره فوق الشهادة. وفي الإمارات، نشأ جمعة الماجد تاجراً بسيطاً في سوق الشندغة بدبي، دون مسار أكاديمي تقليدي. لكنه جمع مئات آلاف المخطوطات والكتب النادرة على مدى عقود، وأسس مركزاً للثقافة والتراث خدم أجيالاً قبل أن يُكرم رسمياً، وأنشأ مدارس خيرية علمت من لا يملك ثمن التعليم. أثره وصل قبل أن يصل أي تكريم. هؤلاء لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه بسبب درجة منحها نظام. بل بسبب فرصة أحسنوا استغلالها، وذكاء وظفوه في اللحظة الصحيحة. حتى أصبحوا اليوم يؤثرون في حياة الآلاف، دون أن يسألهم أحد عن شهادة أو درجة مالية. وهذا بالضبط ما يجعل بعض القيادات تلمس الإنجاز بعينها، لكنها تبقى مقيدة بالنظام لا قاصرة عن التقدير، لأن صلاحية الاستثناء غالباً ليست بيدها، بل في يد من لا يرى إلا الجدول. وحتى من يختار البقاء صبراً أو ظرفاً، يبقى تقدير الذات قراراً يبدأ من الداخل قبل أن يحتاج إلى باب يُفتح.
عزيزي الموظف، حين تشعر أنك تعطي أكثر مما تأخذ، وأن المكان الذي تقف فيه يلمس أثرك لكنه لا يملك الصلاحية لتصحيح ما يستحقه هذا الأثر، فهل الانتظار الطويل في هذا المكان وفاء حقيقي، أم استنزاف بطيء يصعب رؤيته من الداخل؟ وربما يكون أصدق تقدير تمنحه لنفسك، أن تعرف متى تقول: شكراً، وكفى.



