
فوق ضجيج الذاكرة بقلم: منيرة عوض الله الحربي
كثيراً ما يداهمنا شعورٌ جارف بالانعتاق، نتمنى فيه لو كنا طيوراً؛ نمتلك أجنحة لا تعرف للثقل معنى، ولا تحمل من هموم الأرض سوى ما تمليه عليها فطرتها في البحث عن المدى. نتوق لأن نحلق بعيداً عن صخب الحياة وضجيجها، فوق كل وجعٍ ينهش في الذاكرة، وفوق كل ألمٍ حاول أن يترك ندبة في أرواحنا، وفوق كل خيبة أملٍ ظننا يوماً أنها ستكون نهاية الطريق.
في تلك المساحات الشاهقة، لا نجد متسعاً لسؤال “لماذا؟”، ولا يرتجف فينا وجدانٌ لصدودِ قريبٍ أو جحودِ صديق. السماء هناك واسعة، لا تقبل الضغينة، ولا تحتفي بالخلافات. حين نرتفع، تصبح تلك القلوب الحاقدة والأرواح المحبطة مجرد نقاطٍ باهتة على أديم الأرض، لا تكاد تُرى.
إن “ضجيج الذاكرة” الذي نعيشه في الأسفل ليس سوى تراكماتٍ لأصواتٍ رحلت، ومواقفَ خذلانٍ استقرت في أعماقنا. نعيش مأسورين لهذه الذاكرة التي تعيد تدوير الأحزان، لكننا إذا ما نظرنا إلى حياة الطير، نجدها تمضي في مسارٍ لا ينظر إلى الخلف، مستجيبةً للتوجيه النبوي الخالد: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ». إن هذه الكلمات هي “بوصلة” الطيران التي تحررنا من أسر “لو” التي تفتح أبواب الندم وتثقل أجنحة الروح.
ليتنا ندرك أننا لا نحتاج فعلياً إلى أجنحة من ريش لنحلق، فثمة أجنحة داخلية تُنسج خيوطها من “الرضا”. فالرضا هو المِظلة التي تحمي أرواحنا من صواعق الخيبات، والتسامح هو الهواء الذي يرفعنا عن سفاسف الأمور، عملاً بالأمر الرباني: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} ذلك الصفح الذي يمسح أثر الوجع ويجعل الروح خفيفة، سامية، ومقدسة.
حين نعتزل ضجيج التوقعات، ونغلق آذاننا عن صدى الندم، نتحول إلى كائناتٍ نورانيةٍ تملك سماءها الخاصة؛ سماءً لا يطالها وجع، ولا يكسر طيرانها إلا اليقين بأننا نستحق أن نكون أعزاء، أنقياء، لنصل في نهاية رحلتنا إلى مقام {النَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ} التي ترجع إلى ربها راضية مرضية، وقد تحررت من كل أوزار الأرض.
فلتكن هذه دعوتنا اليوم: أن نفرد أجنحة الروح، ونترك للريح ما لا نستطيع حمله، لنحلق أخيراً فوق كل ما كان، بحثاً عما سيكون.



