
حين تفقد بيئة العمل بوصلتها ….. من أين يبدأ الخلل ..… بقلم الكاتب عبدالله عقلاء العزاره
ليست كل بيئة عمل متعبة بسبب كثرة المهام، ولا كل استقالة سببها الراتب أو ساعات العمل. أحيانًا يبدأ الخلل من مكان أكثر حساسية: العلاقة بين الإنسان والمكان الذي يعمل فيه.
فالموظف لا يحتاج إلى راتب ومهام فحسب، بل يحتاج إلى شعور بالاحترام والإنصاف، وإلى مساحة يستطيع فيها أن يتحدث ويختلف ويخطئ ويتعلم، دون أن يشعر بأن كل كلمة قد تُحسب عليه.
وحين يتراجع هذا الشعور، تبدأ بيئة العمل في فقدان بوصلتها، حتى لو بدت الأمور من الخارج على ما يرام. الأنظمة موجودة، والاجتماعات قائمة، ومؤشرات الأداء تتحسن، لكن شيئًا في الداخل يتغير: تقل المبادرة، يزداد الحذر، ويصبح الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من إبداء الرأي.
وهنا لا يكون الخلل دائمًا في النظام، بل في الثقافة التي تتشكل حوله.
فالاختلاف بين الزملاء أمر طبيعي، بل إن كثيرًا من الأفكار الجيدة تولد من اختلاف وجهات النظر. لكن المشكلة تبدأ عندما يخرج الخلاف من مساحة الحوار إلى مساحة التأويل ونقل الكلام، وعندما تصبح الروايات المنقولة أساسًا لتكوين المواقف.
كلمة قيلت في لحظة انفعال قد تنتقل من شخص إلى آخر فتفقد سياقها، ثم تعود في صورة مختلفة تمامًا. ومع الوقت، يقل الحوار المباشر، وتزداد الحساسية، وينشغل الناس بمن قال ماذا، بدلًا من السؤال الأهم: كيف نعالج المشكلة؟
ومن هنا تبدأ الثقة في التراجع.
في مثل هذه الأجواء، تظهر مسؤولية الإدارة بوضوح. فالمدير لا يستطيع أن يمنع كل خلاف، لكنه يستطيع أن يمنع الخلاف من التحول إلى ثقافة. يستطيع أن يضع حدودًا واضحة للشائعات، وأن يشجع على المواجهة المهنية والحوار المباشر، وأن يتعامل مع المعلومات بقدر من التثبت، لا بمجرد سرعة وصولها إليه.
فليس كل ما يُقال يستحق أن يتحول إلى قرار، وليس كل شكوى منقولة حقيقة مكتملة.
والإدارة العادلة لا تُقاس بقدرتها على معرفة كل ما يدور في أروقة المؤسسة، وإنما بقدرتها على التمييز بين ما يستحق التدخل وما ينبغي أن يتوقف عند حدود الكلام.
لكن مسؤولية بناء بيئة العمل لا تقع على المدير وحده. الموظف شريك فيها أيضًا؛ حين يختار الحوار بدلًا من الشائعة، والمهنية بدلًا من الخصومة، ويختلف مع الفكرة دون أن يحوّل اختلافه إلى موقف شخصي من صاحبها.
فالبيئة التي تسمح للشائعة بأن تصبح طريقًا للنفوذ، أو تجعل نقل الكلام وسيلة للتقرب من الإدارة، سرعان ما تدفع موظفيها إلى الحذر بدل المبادرة.
وهنا تظهر مشكلة أكثر عمقًا: حين يبدأ الموظف في حماية نفسه بدلًا من تطوير عمله.
قد يتردد في طرح فكرة جديدة، أو يخشى الاعتراف بخطأ، أو يفضّل تنفيذ المطلوب حرفيًا على أن يقدم اقتراحًا قد يفتح عليه بابًا من التأويل أو النقد.
وقد لا تظهر هذه الخسارة مباشرة في تقارير الأداء، لكنها تظهر في سلوك الفريق. موظف كان مبادرًا فأصبح صامتًا، وفريق كان متعاونًا فأصبح أكثر تحفظًا، وكفاءات تبدأ في البحث عن مكان تشعر فيه بقدر أكبر من الاستقرار والثقة.
لهذا لا يكفي أن تسأل المؤسسة: كم أنجزنا؟ بل عليها أن تسأل أيضًا: كيف أنجزنا؟
وهل يشعر الموظف بأن بإمكانه أن يقول “لا أتفق” دون أن يدفع ثمنًا شخصيًا؟ وهل يستطيع أن يعترف بخطأ دون أن يتحول الخطأ إلى وصمة؟ وهل يثق بأن القرار الإداري سيُبنى على الوقائع والمعايير، لا على العلاقات والانطباعات؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا إداريًا؛ لأنها تمس جوهر الاستدامة داخل أي مؤسسة.
فالعدالة لا تعني أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها، وإنما أن يخضع الجميع للمعايير نفسها. والبيئة الصحية لا تعني غياب الخلاف، وإنما تعني القدرة على إدارة الخلاف دون أن يتحول إلى خصومة، أو يتحول الاختلاف إلى خوف.
وفي النهاية، قد تبدأ مشكلة بيئة العمل من كلمة منقولة، أو موقف لم يُفهم، أو قرار لم يُشرح، لكنها لا تكبر بسبب هذه التفاصيل وحدها؛ تكبر عندما لا تجد ثقافة مؤسسية توقفها في الوقت المناسب.
وحين تصبح المحسوبية بابًا للتقدم، والشائعة طريقًا للنفوذ، ونقل الكلام وسيلة للتقرب، تبدأ المؤسسة في فقدان بوصلتها، مهما بدت أنظمتها قوية على الورق.
أما حين يكون العدل والوضوح والمهنية أساس العلاقة بين أفرادها، فإن الخلافات تبقى في حجمها الطبيعي، ويظل العمل مساحة تجمع الجميع، لا ساحة تفرقهم.
فالقوة الحقيقية لبيئة العمل ليست في غياب الخلاف، وإنما في قدرتها على إدارة الخلاف دون أن تفقد ثقتها، وعدالتها، وإنسانيتها.



