مقالات

‏الأرزاق بيد الله وحده …. فاطمئنوا ولا تحزنوا … بقلم الإعلامي ‏سعيد ال مسفر

‏في زمنٍ كثرت فيه المقارنات، وانشغل فيه كثير من الناس بالنظر إلى ما في أيدي غيرهم، أصبح من الضروري استحضار حقيقة إيمانية عظيمة تُورث القلب سكينةً وطمأنينة، وتملؤه رضا ويقينًا، وهي أن الأرزاق كلها بيد الله سبحانه وتعالى، يقسمها بين عباده بعلمه المحيط، وحكمته البالغة، وعدله المطلق، فلا يُعطي ولا يمنع إلا لحكمة، وما من نعمةٍ أو نقمةٍ إلا وهي قائمة على علم الله بما يصلح عباده في دنياهم وآخرتهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.

‏ولا تقتصر الأرزاق على المال والثروة فحسب، بل تشمل الصحة والعافية، والعلم النافع، والزوجة الصالحة والذرية المباركة، والمحبة والقبول بين الناس، وكذلك التوفيق والسداد في الأقوال والأعمال، كما تشمل ما يُمنح للإنسان من مناصب ومسؤوليات، وغيرها من نعم لا تعد ولا تحصى، فجميعها منح ربانية وعطايا إلهية يقسمها الله تعالى بين عباده بعلمه وحكمته وعدله، ويؤتيها من يشاء وفق ما تقتضيه حكمته البالغة، وجميع هذه النعم ليست مظاهر للتفاخر بقدر ما هي ميادين للتكليف، وأمانات عظيمة سيقف أصحابها بين يدي الله تعالى ليسألهم عنها، ولذلك فإن المؤمن لا ينظر إليها على أنها امتياز يرفع قدره بين الناس، وإنما يراها مسؤولية تقتضي أداء حقوقها والقيام بواجباتها.

‏وفي المقابل فإن كل نعمة يمنحها الله لعبده تستوجب شكرًا عملياً قبل أن تكون كلمات تُردد باللسان، فالنعم كلها ميدان ابتلاء واختبار، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. فمن وُسِّع عليه في رزقه، أو رُفع في منزلته، أو أُعطي علماً أو سلطاناً أو قدرة، فقد ازداد تكليفاً ومسؤولية، قبل أن يزداد تشريفاً، وقد بيّن الله تعالى أن التفاوت بين الناس في الأرزاق والقدرات والمكانات سنة ربانية قائمة على الحكمة، ولهذا لا يقيس المؤمن منزلته بما يملكه غيره، وإنما يقيسها بقربه من الله، وحسن عمله، وإتقانه لما وُكِل إليه، لأنه يعلم يقينًا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما قُدِّر له سيأتيه في الوقت الذي كتبه الله مهما تأخر، وما لم يُكتب له فلن يناله مهما بذل من الأسباب، قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، فليس هذا التفاوت محاباةً لأحد أو ظلمًا لآخر، وإنما هو نظام إلهي يحقق التكامل بين الناس، ويظهر فيه صدق الشاكرين وصبر المحتسبين.

‏ومن أسمى صور شكر النعم أن تُسخَّر في طاعة الله، وأن تكون وسيلة للإحسان إلى الخلق، وقضاء حوائجهم، وتخفيف معاناتهم، وإغاثة محتاجهم، ونصرة مظلومهم، وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى العظيم بقوله: «أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله عز وجل سرورٌ تُدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا…»، وهو توجيه نبوي يجعل نفع الناس من أجلّ صور شكر نعم الله تعالى.

‏ولا يخفى علينا إن هذه الارزاق والنعم مقرونة دائماً بالحسد من أصحاب النفوس المريضة، أو بجهلٍ لمقتضى حكمة الله من توزيع الارزاق بين عباده، وكلاهما اعتراض خفي على قسمة الله تعالى، نسأل الله العفو والعافية، ولذلك جاءت النصوص الشرعية محذرة منه أشد التحذير لما يجره من آثار نفسية واجتماعية خطيرة، وقد أرشد الله عباده إلى الطريق الذي يحفظ القلوب من هذا الداء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، إن المؤمن الحق يدرك أن الفضل كله بيد الله، وأن خزائنه لا تنفد، وأن العطاء والمنع كلاهما ابتلاء واختبار، فإذا رأى نعمة عند غيره دعا له بالبركة، وإذا أُنعِم عليه شكر الله عليها، وإذا تأخر عنه ما يرجوه أحسن الظن بربه وانتظر فرجه ورحمته.

‏وفي الختام، فإن من أعظم أسباب السعادة وراحة القلب أن يوقن الإنسان بأن الأرزاق كلها بيد الله وحده .. فاطمئنوا ولا تحزنوا، وأن ما كُتب لنا سيأتي بطريقة إلهية نتعجب منها، وما لم يُكتب لن يُنال مهما بذل من الأسباب، فلنُعَمِّر قلوبنا بالرضا والقناعة، ولنُحسن الظن بربنا في جميع أقداره، ولنجعل شكرنا لله واقعاً نعيشه قبل أن يكون كلماتٍ نرددها، فبهذا تدوم النعم، وتحل البركات، وتطمئن القلوب، ويكتب الله لعبده رضاه وتوفيقه في الدنيا، والفوز بجنته في الآخرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى