
كم حلقة بقيت لك؟.. هكذا تُدار حياتك في النظام العالمي بقلم الكاتب حمد التميمي
نحن الجيل الأكثر تعليماً في التاريخ، والأكثر اطلاعاً، والأكثر اتصالاً، ومع ذلك يشعر كثيرون منا أنهم يركضون دون أن يتقدموا. لم أكن أملك تفسيراً لهذا التناقض حتى صادفت منشوراً توقفت عنده طويلاً، تحدث عن كيف تربطك بنية الاقتصاد العالمي في حلقات متتالية منذ ولادتك حتى وفاتك. أغلقت الهاتف وفتحته من جديد، ثم قضيت وقتاً أبحث وأقرأ، لا لأنني اقتصادي أو باحث، بل لأن ما قرأته كان يشبه حياتي ويشبه حياة كثيرين أعرفهم. وهذا ما وجدته.
لا حاجة هنا إلى سجن مرئي، فثمة سجن لا تراه لا يصنعه عقل مدبر واحد، بل تراكم ترتيبات اقتصادية واجتماعية لا يملك أحد زمامها بالكامل. وأذكى ما فيه أنه لا يستخدم معك الأداة نفسها في كل مكان؛ فللفقير قيوده الحديدية، وللغني قيوده الذهبية. الأولى تُشعرك بثقلها في كل خطوة، والثانية تبدو في المعصم كساعة فاخرة، لكنها في الحقيقة تؤدي الوظيفة ذاتها تماماً: تبقيك حيث أنت.
الحلقة الأولى تختلف من مجتمع لآخر، لكنها تبدأ دائماً قبل أن تعي. في كثير من دول العالم تولد وبلدك مدين لصندوق النقد الدولي، وعلى كتفيك حصة من دين لم توقع عليه. أما في مجتمعات الوفرة فالحلقة الأولى أكثر نعومة وأشد خطورة: تولد في بيئة تُعرفك منذ طفولتك بأن قيمتك مرتبطة بما تملك وما تُظهر. ليس ديناً في وثيقة رسمية، بل ديناً اجتماعياً غير مكتوب، تدفع أقساطه طوال حياتك كلما نظرت يميناً ويساراً وقررت أنك لا تكفي.
ثم تأتي الحلقة الثانية مع أول يوم مدرسة. لم تختر ما ستتعلمه، ولم يختره والداك. المنهج الذي حفظته سنوات لم يكن همه أن يصنع منك إنساناً حراً مفكراً منتجاً، بل أن يُخرج موظفاً جيداً يصل في الوقت المحدد ولا يسأل كثيراً ليست مؤامرة مرسومة، بل إرث مؤسسي نشأ في عصر المصنع وما زال يكافئ الطاعة أكثر من السؤال. وحين تتخرج أخيراً وأنت تحمل شهادتك كمن يحمل مفتاح الحرية، تجد أمامك باباً آخر يبتسم لك: سوق العمل الذي ينتظرك بعقد وراتب ومستقبل مرسوم.
والراتب هو الحلقة الثالثة، وهي في مجتمعات الخليج حلقة بالغة الذكاء. ليس راتباً يُشعرك بالفاقة، بل راتب يكفيك للعيش الكريم لكن لا يكفيك لتكون حراً. دائماً أقل بقليل مما تحتاج لتترك الوظيفة وتبني شيئاً خاصاً بك، وأكثر بقليل مما يجعلك تجرؤ على المغامرة. وحين تُضاف إليه الالتزامات السيارة الأحدث، والسكن الأفخم، وكل ما يُثبت لمحيطك أنك على المستوى تجد أن الراتب المرتفع لم يمنحك الحرية، بل منحك قفصاً ذهبياً أكثر إحكاماً. صاحب الراتب العالي والالتزامات الفاخرة هو الأصعب تحرراً من الجميع، لأنه لا يستطيع أن يخسر ما اعتاد عليه. ونصف هذا القيد من صنع يده، إذ لا أحد يفرض عليه السيارة الأحدث؛ المقارنة تُغريه بها، لكن التوقيع يبقى توقيعه.
ومن هذا الإرهاق الهادئ تجد الحلقة الرابعة طريقها إليك عبر شاشة لا تتوقف. كثير من المنتجات مُحسَّن ليُطيل بقاءك، وكثير من الإعلانات مبنيٌّ على أن يُشعرك بالنقص قبل أن يبيعك الحل. لكن الأخطر من الإعلانات في مجتمعاتنا اليوم هو ما تراه على شاشات الآخرين. رحلة لم تذهبها، سيارة لم تشترها، مطعم لم تجلس فيه كل هذا يصلك في ثوان ويزرع فيك شعوراً بأنك خلف الركب. أنت لا تستهلك لأنك تحتاج، بل لأن المقارنة لا تتوقف، والمقارنة قديمة قدم الإنسان، لكنها اليوم صارت لحظية وعالمية ولا تنام.
وبينما تستهلك، تاركاً أثرك الرقمي في كل نقرة وإعجاب وتوقف، تعمل الحلقة الخامسة في صمت تام. كل حركة موثقة، وكل رغبة مرصودة، وكل قرار تتخذه تسبقه خوارزمية ترجح ما ستختاره قبل أن تعرف أنت. من يملك بياناتك يملك جانباً كبيراً من خريطة نفسك، ويستطيع أن يوجه رغباتك وقراراتك قبل أن تشعر بأنك اتخذتها. هذا ليس خيالاً علمياً، بل هو ما تفعله اليوم أكبر شركات العالم بما جمعته منك بالمجان، وأنت راض بل وممتن.
وحين يأتي التقاعد أخيراً، وهو الجائزة الموعودة على عمر كامل من الإنتاج والاستهلاك، تكتشف أن مدخراتك تآكلها التضخم، وأن نمط الحياة الذي اعتدت عليه يحتاج أكثر مما أعددت. الحلقة السادسة والأخيرة تُغلق الدائرة بهدوء مُحكم، وتكتشف متأخراً أن السلسلة كانت منذ البداية سلسلة واحدة متصلة، سواء كانت من حديد أو من ذهب.
والأخطر في كل هذا ليس قسوة هذا الترتيب، بل ذكاؤه. هو لم يسلبك الحرية، بل أقنعك أنك تمارسها. أنت تختار بين خيارات، لكنك لم تختر الخيارات نفسها؛ وضعها أمامك سياق لم تصنعه، وترك لك القرار داخل إطاره. وهذا الإطار هو أثمن ما فيه، لأن الإنسان الذي يظن أنه حر لا يبحث عن حريته. وفي مجتمعات الوفرة يكون هذا الوهم أكثر إتقاناً، لأنه مُغلف بالرفاهية ومُعطر بالمظاهر.
غير أن جيلاً كاملاً بدأ يتساءل بصوت لم يعد من السهل إسكاته، في الدول الغنية قبل الفقيرة. يتساءل لماذا يملك كل شيء ولا يشعر بالكفاية، ولماذا يرتفع دخله ويرتفع معه القلق بنفس الوتيرة. هذا السؤال هو أخطر ما يواجه هذا الترتيب كله، لأنه يخرج من داخل من يُفترض أنهم المستفيدون.
السؤال وحده لن يكسر شيئاً، لكنه يكسر أخطر أدواته: وهم أنك اخترت.



