
حجّ بلا تصريح : عبادة لا تكتمل بمخالفة بقلم الكاتبه مريم الشراري
في كل موسم حج، تتجدّد الدعوات وتُفتح القلوب شوقًا لبيت الله الحرام. وبين من نال شرف الوصول إلى المشاعر المقدسة بتصريح نظامي، يظهر في المقابل من يتسلّل خلسة دون تصريح، ظنًّا منه أن النيّة الصالحة تُبرّر المخالفة، وأن بلوغ المناسك يُغني عن احترام الأنظمة.
لكن الحقيقة الشرعية والواقعية تقول غير ذلك. الحج عبادةٌ مقرونة بالطاعة، لا تُبنى على مخالفة ولا تتحقق بالإضرار بالآخرين. وقد وضعت المملكة العربية السعودية – خدمةً للحجيج وحفاظًا على سلامتهم – نظام التصاريح لتنظيم الأعداد، وتجنّب الزحام، وضمان أداء الشعائر بيسر وأمان.
من يؤدي الحج دون تصريح يخالف أمر ولي الأمر، ويُعرّض نفسه وغيره للخطر، ويُساهم في فوضى قد تُفسد على الحجاج حجّهم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني.” فكيف تُرجى بركة حجٍّ بدأ بمعصية نظامية، ونيّة مستعجلة، وسعي فيه تعدٍّ على حق الجماعة؟
ليس الحج عبادة منقطعة عن مقاصد الشريعة؛ بل هو في جوهره تجسيد للطاعة، والنظام، والسكينة. ومن لم يُكتب له الحج هذا العام، فليُدرك أن الله لا يُضيّع أجر من أحسن عملًا. في الصيام، والذكر، والصدقة، وصلاة العيد، يُمكن أن يكتب الله للعبد أجرًا عظيمًا، بل وقد يُبلغه مقام الحجيج وهو في بيته.
لقد سخّرت المملكة العربية السعودية كل طاقاتها وإمكاناتها في سبيل خدمة ضيوف الرحمن، فأنشأت المشروعات، ووفّرت الأمن ونظّمت الحشود، وحرصت على أن يؤدّي الحجيج مناسكهم بأمان وسكينة. ومن تمام شكر هذه الجهود المباركة أن نلتزم بالتعليمات ونمتثل للأنظمة، وألا نسلك طريق الحج إلا بتصريح رسمي يضمن أداء الفريضة ضمن إطار من النظام والاحترام. فالحج عبادة لا تكتمل إلا بالطاعة، والله يجزي على النية، ويُثيب على الصبر، ويكتب الأجر لمن انتظر بصدق وامتثل بعقل وإيمان
ختامًا، يبقى الحج مقصدًا عظيمًا، والطريق إليه يجب أن يكون طاهرًا كما هو المقصد. فلنُقبِل على الله في هذه الأيام المباركة بكل وسيلة مشروعة، ولنُجدّد نيتنا، ولنمتثل للنظام، فذاك هو الطريق إلى حجٍّ مقبول، وسعيٍ مشكور
ونسأل الله أن يجزي خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين خير الجزاء على ما يقدمانه من جهود عظيمة في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، وأن يبارك في أعمالهما، ويحفظهما ذخرًا للإسلام والمسلمين.



