
فن اختيار الشركاء هو طريق النجاح للمبادرات المجتمعية
تعد الشراكات الاستراتيجية في القطاع الثالث المحرك الفعلي للتنمية المستدامة، فهي تتجاوز كونها مجرد توقيع مذكرات تفاهم لتصبح “علاقة تكاملية” تهدف إلى تعظيم الأثر الاجتماعي. تبدأ هذه العملية بمرحلة التحليل والمواءمة، حيث يتم فحص السجل المهني للشريك المحتمل ومدى تقارب ثقافته المؤسسية مع ثقافة المبادرة، لضمان وجود أرضية صلبة من القيم المشتركة. فالشريك المثالي ليس بالضرورة هو الأكبر مالياً، بل هو الأكثر قدرة على تقديم “قيمة مضافة” تخدم المستفيد النهائي، سواء عبر خبرات تخصصية نادرة، أو قواعد بيانات عريضة، أو إمكانات لوجستية تسرّع من وتيرة الإنجاز.
وعلى صعيد الإدارة التنفيذية، يبرز التخطيط الوقائي كأحد أهم مكتسبات الشراكة المبكرة؛ فمن خلال رسم خرائط التدفق وتوزيع الموارد بشكل استباقي، تتمكن الجهات المنفذة من رصد المخاطر المحتملة ووضع خطط بديلة، مما يعزز من مرونة المبادرة أمام المتغيرات. هذا التنظيم لا يقتصر أثره على الداخل فحسب، بل يمتد ليبني جسوراً من الثقة مع المجتمع والمانحين، حيث تعكس الشراكة المنظمة صورة من الاحترافية والجدية التي تشجع الداعمين على الاستثمار في المبادرة وضمان استمراريتها.
ومع ذلك، يجب على قادة المبادرات الحذر من “فخ الكثرة”؛ فزيادة عدد الشركاء دون مبرر تشغيلي قد تؤدي إلى ترهل إداري وضياع للمسؤوليات. إن الخلل غالباً ما يبدأ حينما تغيب الصراحة في تحديد سقف التوقعات، أو حين يتم استقطاب شركاء لمجرد الوجاهة الإعلامية دون دور حقيقي، مما يؤدي إلى تحميل الشراكة التزامات تفوق طاقتها الاستيعابية ويؤثر سلباً على جودة المخرجات. لذا، فإن جودة الشراكة تكمن في “النوع لا الكم”، وفي القدرة على إدارة العلاقة بروح الفريق الواحد التي تذيب العقبات وتوحد الجهود نحو هدف وطني مشترك.
وإننا إذ نمضي قدماً في تطوير هذه الممارسات المهنية، فإننا نستمد إلهامنا وعزمنا من الدعم السخي والرؤية الطموحة لولاة أمرنا، ونرفع أسمى آيات الشكر والتقدير إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، الذين جعلوا من تمكين القطاع غير الربحي ركيزة أساسية في بناء مستقبل الوطن، سائلين الله أن يديم على هذه البلاد أمنها وعزها.




