
هل يعاني الإنسان العربي السعودي من اختلال نفسي أم من اختلال في التوازن؟د.محمد بن يوسف الصالح
في السنوات الأخيرة ، أصبح الحديث عن الصحة النفسية أكثر حضورًا في المجتمع السعودي ، لكن الملاحظة الأهم ليست فقط في ارتفاع الوعي ، بل ازدياد الحيرة أيضًا ، فالكثير من الناس لم يعودوا يعرفون: هل ما يشعرون به هو اضطراب نفسي فعلًا؟ أم أنه صراع داخلي بين ما يؤمنون به ، وما يفرضه المجتمع عليهم ، وما يرغبون به لأنفسهم؟
الارتماء في أحضان العلم النفس الغربي لا يفسر غالبا ما تمر به انفسنا من ضغوطات تأتي من مجتمع جمعي بينما أغلب نظريات العلم النفس الغربي قامت وسط مجتمعات فردانية.
من هنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته بـ نظرية الاتزان القيمي العلائقي ، التي اخذت مني شخصيا الكثير من الوقت والجهد لمحاولة فهم الإنسان العربي السعودي من داخل بيئته الثقافية والاجتماعية ، لا من خلال قوالب مستوردة تفترض أن الفرد يعيش بمعزل عن أسرته ومجتمعه وقيمه.
تقوم النظرية على فرضية بسيطة في طرحها لكنها عميقة في تطبيقها :
الصحة النفسية ليست مجرد راحة داخلية ، بل هي حالة اتزان بين ثلاثة أنظمة رئيسية:
نظام القيم ، نظام العلاقات ، نظام الذات حيث أن نظام القيم يشمل الدين والضمير والمبادئ الأخلاقية ، بينما نظام العلاقات يشمل الأسرة، والسمعة، والانتماء الاجتماعي ، وآخيرا نظام الذات فيشمل الرغبات الشخصية والحدود الفردية والطموحات الخاصة.
المشكلة تبدأ عندما يطغى نظام على الآخر، فعندما تتضخم القيم بشكل مفرط ، قد يتحول الإنسان من شخص ملتزم إلى شخص يعيش تحت ضغط دائم من جلد الذات والخوف والوساوس ، وكأن أي خطأ بسيط يهدد قيمته الإنسانية بالكامل.
وفي المقابل، عندما تتضخم العلاقات ، يصبح الفرد أسيرًا لنظرة الناس، يراقب صورته الاجتماعية باستمرار، ويبالغ في إرضاء الآخرين حتى لو كان ذلك على حساب صحته النفسية و هنا يظهر القلق الاجتماعي، والتعب العاطفي، والاكتئاب المقنّع خلف الابتسامات والمجاملات.
أما حين تتضخم الذات وحدها، فقد يظهر نمط مختلف تمامًا، صدامات أسرية ، اندفاع ، رفض للقيود ، وقطيعة مع المحيط الاجتماعي باسم الحرية الشخصية، لينتهي الإنسان أحيانًا بعزلة نفسية رغم شعوره الظاهري بالاستقلال.
ومن هنا تحذر النظرية من نتيجة قد يصل إليها الإنسان بعد حدوث الاختلال في تلك الأنظمة وهي ما يُعرف بـ الانشطار النفسي ، حين يعيش الإنسان بشخصيتين:
شخصية ظاهرة ترضي المجتمع ، وشخصية داخلية مليئة بالتعب والأسئلة والرغبات المكبوتة.
هذا الانفصال بين الظاهر والباطن قد يفسر كثيرًا من حالات القلق المزمن والاكتئاب الصامت التي لا تبدو واضحة للآخرين ، لكنها تستهلك الإنسان من الداخل ببطء.
المثير للاهتمام أن هذه النظرية لا تنظر إلى المجتمع أو الدين أو العلاقات باعتبارها أسبابًا للاضطراب ، بل ترى أن المشكلة الحقيقية تكمن في “فقدان الاتزان” بينها ، فالإنسان يحتاج إلى القيم ليشعر بالمعنى ،
ويحتاج إلى العلاقات ليشعر بالانتماء ، ويحتاج إلى ذاته ليشعر بالحياة.
ولهذا، ربما حان الوقت لأن نتوقف عن استيراد تفسيرات نفسية لا تشبه بيئتنا بالكامل ، وأن نبدأ ببناء نماذج تفسيرية تنطلق من طبيعة الإنسان العربي والسعودي، بما يحمله من خصوصية ثقافية واجتماعية ودينية مختلفة عن المجتمعات الفردانية الغربية.
و يبقى السؤال الحقيقي :
هل نحن نعاني نفسيًا ؟
أو هل نحن نعاني من فقدان التوازن بين الانظمة الثلاث ؟



