
” فخ لا مخرج له “بقلم الكاتبه الاعلاميه موضي بنت سليمان
الفخ لا يفتح دفعه واحدة…
بل يفتح بخيط رفيع من فكرةٍ صغيرة.
فكرة لا تبدو مخيفة، ولا محرمة في ظاهرها، ولا تستحق كل هذا القلق…
وهنا يبدأ الشيطان أول انتصاراته.
يزرع الفكرة في العقل كهمسة عابرة،
ثم يعيدها حتى تألفها النفس،
ثم يكسوها بالتبرير حتى لا يعود القلب ينفر منها،
ثم يحولها من خطرٍ طارئ إلى عادة،
ومن عادة إلى قناعة،
حتى يستيقظ الإنسان يوماً في مكانٍ أقسم يوماً أنه لن يصل إليه.
وهذا هو الفخ الحقيقي…
ليس السقوط المفاجئ، بل التنازل الأول.
فالشيطان لا يأتي غالباً صارخاً بالمعصية،
بل يأتي متخفياً بثياب المنطق والرحمة الكاذبة:
“الأمر بسيط…”
“يمكنك التوقف متى شئت…”
“الجميع يفعل ذلك…”
“الله غفور رحيم…”
فيُسكت الضمير كلما صاح،
ويُخدّر القلب كلما ارتجف،
ويُزيّن القبيح حتى يبدو مألوفاً… بل محبوباً.
الهلاك ليس في الذنب وحده،
فنحن بشر، خُلقنا نُخطئ ونضعف ونسقط،
ولم تُكتب العصمة إلا للأنبياء.
لكن الهلاك الفعلي …
حين تتحول الزلة التي كان صاحبها يبكي منها إلى فلسفة يدافع عنها،
وحين تتحول المعصية التي كانت تؤلم ضميره إلى عادة يحرسها الجدل والكبرياء.
هنا تبدأ الكارثة.
لأن تبرير الذنب أخطر من الذنب نفسه،
فهو عملية تخدير طويلة يفقد فيها الإنسان بوصلته دون أن يشعر.
ومن لا يعترف بخطئه… لن يبحث عن إصلاحه أبداً.
وما أقسى لحظة الصحوة…
حين يستيقظ الإنسان الحقيقي داخل نفسه بعد فوات الأوان،
فيرى كيف قادته الخطوات الصغيرة إلى هاويةٍ لم يكن يتخيلها،
وهنا يتبرأ الشيطان ممن اتبعه كما أخبر الله سبحانه:
﴿إني بريءٌ منكم إني أخاف الله رب العالمين﴾
فالشيطان لم يُخلق عبثاً،
بل ابتلاءً يكشف حقيقة الإيمان،
ويمتحن صدق القلوب:
هل نقود أنفسنا إلى الله… أم ننقاد خلف الهوى؟
ولهذا كان الإيمان الحقيقي قوةً تُرعب الشيطان نفسه.
ولنستشهد في عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ذلك الرجل الذي بلغ من صدقه وثباته أن قال فيه رسول الله ﷺ:
«ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجّك»
أيُّ قوةٍ هذه؟
وأيُّ قلبٍ ذاك الذي إذا حضر هربت منه وساوس الشيطان؟
إنها ليست قوة جسد…
بل قوة إيمان،
وقلب امتلأ بالله حتى ضاقت فيه المساحات على الشيطان.
فكلما كان القلب عامراً بالله،
يقظ الضمير،
كثُر الذكر،
وصَدَق الإنسان مع نفسه…
صار الشيطان أضعف مما يتخيل.
المعركة ليست أن لا تخطئ أبداً،
بل أن لا تسمح للخطأ أن يتحول إلى طريق،
ولا للمعصية أن تصبح هوية،
ولا للتبرير أن يقتل نور الحق داخلك.
فالنجاة ليست للعصاة الذين لم يذنبوا،
بل للتائبين الذين كلما سقطوا… عادوا إلى الله قبل أن يتحول السقوط إلى اعتياد.



