مقالات

“ما وراء الانكسار” .. بقلم الكاتبة الإعلامية موضي بنت سليمان

ليست كل المعارك تُرى،
فهناك حروب كاملة تدور داخل الإنسان .. دون صوت

نبتسم أحيانا بينما أرواحنا تقف على حافة الانهيار، ونمضي في الطرقات بثباتٍ متقن، فيما شيءٌ عظيم في الداخل يتداعى بصمتٍ موجع لا يسمعه أحد.

الحياة لا تكسرنا دفعه واحدة،
بل تتسلل إلينا على هيئة خيبات صغيرة، وفقدٍ متكرر، وأبوابٍ تُغلق في وجوهنا حين نكون بأشد الحاجة إليها
ومع كل صفعة، يتساقط جزءٌ من النسخة القديمة التي كنا نظنها نحن.

حتى تأتي اللحظة الفاصلة…
اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن ما كان يسميه “نهاية” لم يكن سوى إعادة تشكيل قاسية لروحه.

فالألم الحقيقي لا يمرّ عبثاً.
إنه يعيد ترتيب أعماقنا بعنفٍ مقدّس، يهدم فينا ما كان هشاً، ويقتلع الأوهام التي كنا نتكئ عليها، ثم يتركنا عراة أمام حقيقتنا الأولى:
أن القوة لا تولد في أوقات الطمأنينة، بل تُنتزع من قلب الانهيار.

كم من مرة ظننا أننا انتهينا، بينما كنا — في الحقيقة — نبدأ

وكم من شخصٍ غادر حياتنا باستهانة، غير مدرك أنه لم يكن سوى أداةٍ دفعتنا نحو أكثر نسخنا نضجاً واتزاناً

بعض البشر لا يأتون ليبقوا،
بل يأتون ليكشفوا لنا حجم الوهم الذي كنا نعيشه.
يأتون ليهدموا الصورة الساذجة التي حملناها عن العالم، ثم يرحلون بعدما يتركون في أرواحنا شقوقا واسعه… تدخل منها الحكمة.

لهذا، فإن الإنسان الذي خرج من الألم ليس هو ذاته الذي دخله أبداً.

هناك شيءٌ يموت إلى الأبد بعد المعاناة:
السذاجه.
الاعتماد المطلق على الآخرين.
والاعتقاد بأن النجاة تأتي من الخارج.

بعد الألم، يصبح الإنسان أكثر وعيا، أقل ضجيجا، وأكثر قدرة على رؤية الأشياء كما هي لا كما يتمنى.

إن الندوب التي نحملها ليست عيوبا نخفيها،
بل تاريخ كامل من النجاة.
كل ندبةٍ تقول:
“هنا سقطت… وهنا نهضت وحدي.”

وحين تنظر إلى نفسك بعد كل ما عبرته، ستدرك أن أعظم التحولات لم تحدث لك في لحظات الفرح، بل في تلك الليالي التي ظننت فيها أن روحك لن تنجو .

لكنها نجت

نجت… لا لأنها كانت قوية منذ البداية،
بل لأن الله يخلق داخل الإنسان قوه استثنائية حين لا يعود يملك شيئاً سوى الصمود.

ولهذا، لا تلعنوا الألم كثيراً.
فبعض الأوجاع لم تأتِ لتحطمكم…
بل جاءت لتُعيد تشكيلكم بصورة لم يكن الضعف قادرا على صنعها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى