مقالات

حين يكون الكرمُ أدباً .. بقلم الكاتب عبدالله بنجابي

​في تراثنا الإسلامي العظيم، لخص النبي ﷺ كمال الإخلاص في قوله عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله: “ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”. وغالباً ما ينصرف الذهن عند سماع هذا الحديث إلى العطاء المباشر في السر، لكن الإمام القرطبي فتح لنا باباً أوسع للفهم يجمع بين “العطاء” و”المروءة”؛ حيث يروي صورة من أروع صور الصدقة الخفية، وهي أن يشتري المقتدر من الضعيف شيئاً بثمنٍ أعلى من قيمته الحقيقية، فتبدو في الظاهر “بيعة” عادية يحفظ فيها البائع كرامته وكبرياءه، بينما هي في الحقيقة “صدقة” مُبطنة ترفع عن المحتاج ذل السؤال.
​إنها عبادة “جبر الخواطر” التي تدرك أن النفوس العزيزة قد تأنف من الصدقة المباشرة، فيأتي المحسن الذكي ليدخل السرور على قلب أخيه بصورة ربحٍ مستحق لا منّة فيه ولا تفضل. وعلى النقيض من هذا النبل، نجد مشهداً يتكرر في أسواقنا وطرقاتنا؛ حين يقف البعض “يُكاسر” ويجادل باعةً بسطاء يفترشون الأرض في لهيب الصيف أو برد الشتاء، ليخفض من ثمن بضاعتهم ريالات معدودة لا تغني المشتري شيئاً، لكنها تمثل للبائع قوت يومه، وكما قيل: “فلولا الحاجة لما تحمل الحر؛ فارحموهم رحمكم الله”. إن الوقوف تحت الشمس لساعات من أجل حفنة ريالات هو برهان قاطع على حاجة هؤلاء، فليكن الربح الذي يحصلون عليه منك هو “صدقتك” التي تغلفها بابتسامة وكلمة طيبة.
​إن الرحمة لا تُجزأ؛ والصدقة ليست دائماً في وضع المال في صناديق التبرعات، بل تكون أحياناً في التغافل عن غلاء السعر لدى بائع بسيط دعماً له، أو ترك الباقي من المال له دون انتظار، فتعاملنا مع الضعفاء هو المقياس الحقيقي لإنسانيتنا وإيماننا. وما تنفقه بيمينك في صورة “شراء” قد يكون هو المنجي لك، لأنك لم تشترِ بضاعة فحسب، بل اشتريت بها دعوة بظهر الغيب من قلبٍ أنهكه التعب.
​ختاماً، نسأل الله أن يديم على بلادنا روح التراحم والتكاتف التي نعتز بها، في ظل الرعاية الأبوية الكريمة من مقام سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، الذين جعلوا من العمل الإنساني والخيري نهجاً ثابتاً ومفخرةً لهذا الوطن العظيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى