
من سنن العدل الإلهي حين ينتصر الحق ويعود الظلم والمكر على أصحابه ….. بقلم الاعلامي سعيد بن أحمد آل مسفر
الظلم ليس سلوكًا عابرًا يمكن تجاوزه، ولا خطأً فرديًا محدود الأثر، بل هو خلل عميق في ميزان عدالة النفس البشرية السوية، وانحراف عن فطرة العدل التي فطر الله الناس عليها، يبدأ غالبًا بخطوات يسيرة قد يُستهان بها، لكنها تتحول إلى نهج يفسد الضمائر ويهلكها، والمفارقة أن الظالم رغم ما يبدو عليه من جرأة وشجاعة، فهو يعيش في حالة صراع داخلي مستمر بين جبنه ومحاولاته لخداع نفسه، ويعتقد أنه يتجه نحو القوة والتمكين، بينما يكون في الحقيقة قد بدأ مسار الانحدار نحو الخسارة والهلاك والذل.
وعبر صفحات التاريخ، فإن سقوط الظالم هو نتيجة حتمية لتراكم الظلم، فيأتيه الجزاء العادل،والظلم يسلب الإنسان طمأنينته، ويزرع في داخله قلقًا خفيًا، مهما بدا في الظاهر مستقرًا، لأنه يدرك في أعماقه أن ما بُني على باطل لا يمكن أن يدوم، وفي المقابل يظل المظلوم وإن طال صبره قويًا بثقته بالله، لأن دعوته لا تُحجب، وحقه لا يُنسى.
ومن سنن الله الثابتة التي لا تتبدل، أن الظلم لا يستقر، وأن المكر السيئ لا يتجاوز صاحبه، وأن العدالة الإلهية قد تُمهل لكنها لا تُهمل، وهذه السنن ليست مجرد معانٍ نظرية، بل حقائق تتجلى في واقع الحياة، وتُثبتها الوقائع منذ قدم الزمان، وهي يقينًا لا يقبل الشك.
وفي كتاب الله تأتي هذه السنن بوضوح، حيث يقدم القرآن منهجًا متكاملًا في بيان العدل والجزاء، ويؤكد أن ما يزرعه الإنسان في حياته إنما يعود عليه لا محالة، خيرًا كان أو شرًا، فهي قواعد ربانية تحكم حركة الحياة، وتضبط موازينها بدقةٍ وعدل.
وفي هذا السياق، تأتي الآيات الكريمة لتؤسس هذا المعنى وترسخه في النفوس، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفسٍ بِما كَسَبَت رَهينَةٌ﴾، حيث تُقرّر هذه الآية مبدأ المسؤولية الفردية بأوضح صوره، فلا مجال لإلقاء التبعات على الظروف أو الآخرين، بل كل إنسان مرهون بعمله، وصانع لمصيره، وهذه الحقيقة تدفع الإنسان إلى محاسبة نفسه، وتقويم سلوكه، واستشعار رقابة الله في كل تصرفاته.
ثم تكشف الآيات عن سنّة إلهية أخرى في غاية الوضوح، وهي أن الشر لا يتجاوز صاحبه ومن كان عوناً ومشاركاً له، وأن المكر السيئ يرتد عليهم وان طال الزمان، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَحيقُ المَكرُ السَّيِّئُ إِلّا بِأَهلِهِ فَهَل يَنظُرونَ إِلّا سُنَّتَ الأَوَّلينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبديلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحويلًا﴾، وهي رسالة تحذيرية واضحة لكل من سلك طريق الخداع والتآمر، بأن ما يُدبَّر في الخفاء سيعود أثره على صاحبه في العلن، وأن سنن الله ماضية لا تتغير.
وتتوالى الآيات لتبيّن مآلات المكر والفساد، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذينَ يَمكُرونَ السَّيِّئَاتِ لَهُم عَذابٌ شَديدٌ وَمَكرُ أُولئِكَ هُوَ يَبورُ﴾، أي يفسد ويهلك ولا يثمر، وفي هذا بيان دقيق أن كل مشروع يقوم على الباطل يحمل في داخله أسباب فنائه، مهما بدا قويًا أو ناجحًا في بداياته.
كما تؤكد الآيات أن الظلم طريق خاسر لا محالة، قال الله تعالى: ﴿وَقَد خابَ مَن حَمَلَ ظُلمًا﴾، فالظلم عبء ثقيل يجرّ صاحبه إلى الخيبة والخسران، ويُعجّل بزواله، والتاريخ شاهد على أن الظلم إذا استشرى كان سببًا مباشرًا في سقوط الظالم، خاصةً لمن أخذته العزة بالإثم.
وفي مواجهة مكر البشر المحدود، تبرز الحقيقة الكبرى التي تبعث الطمأنينة في النفوس، قال الله تعالى: ﴿وَمَكَروا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الماكِرينَ﴾، حيث يتفوق التدبير الإلهي على كل تدبير، وتُبطل كل الحيل أمام حكمة الله وعدله، فيوقن المؤمن أن الله كفيل برد كيد الكائدين، وأن العاقبة للحق وأهله ولو بعد حين.
كما يبيّن الله جلّ في علاه في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفورٍ﴾، موقفه الحاسم من صفات الخيانة والجحود، مؤكّدًا أن كل من اتصف بالغدر ونقض الأمانة، أو قابل نعم الله بالكفر والمكر والإنكار، فهو مبغوض عند الله ومحروم من محبته وتوفيقه.
وتأتي البشارة العظيمة لكل من ظُلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذينَ آمَنوا﴾، لتؤكد أن المؤمن في معية الله وحفظه، وأنه ليس متروكًا لمواجهة الظلم وحده، بل تحيط به عناية الله ونصره.
وعند تأمل هذا البناء الإيماني، تتجلّى معاني هذه الآيات بوضوح عند فهمها في سياقها المتكامل، وتكشف لنا عن صورة جلية للعدالة الإلهية، وتغرس في النفس يقينًا راسخًا بأن الحق لا يضيع، وأن المكر والظلم، مهما طال أمدهما، مآلهما إلى زوال، وأن الإنسان إنما يبني مصيره بعمله، وهي في جوهرها دعوة متجددة للثبات على القيم، والتحلي بالصدق والإخلاص، والتنزه عن كل صور المكر والظلم، مع الإيمان العميق بأن سنن الله ماضية بالعدل، لا تحابي أحدًا، كما تعيد هذه المعاني ضبط مفهوم النجاح الحقيقي، فليس النجاح في تحقيق المكاسب الدنيئة بأي وسيلة، بل في الاستقامة على الحق، والثبات على القيم.
وختامًا، فإن من سنن العدل الإلهي، أن الظلم والمكر سيعود يومًا ما على أصحابه، وأن الحق منتصر لا محالة، حتى وإن تأخر ظهوره، فالعبرة ليست في البدايات، بل بما تؤول إليه النهايات، وطريق الحق مهما بدا شاقًا يظل السبيل الأوحد إلى النصر والنجاة والاستقرار في الدنيا والآخرة.
وفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى،،،



