
التسويق الزراعي في وادي الدواسر ضرورة وطنية لا خياراً تنموياً
تُعد محافظة وادي الدواسر واحدة من أبرز المناطق الزراعية في المملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من مساحات شاسعة صالحة للزراعة، وتنوع في الإنتاج يشمل النخيل والأعلاف والخضروات والفواكه والورقيات، إلى جانب مشاريع الدواجن التي تمثل رافداً مهماً للأمن الغذائي، غير أن هذا الثراء الزراعي لا يزال يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في ضعف منظومة التسويق، وغياب الأسواق المركزية المتكاملة، وقلة المهرجانات التسويقية الاحترافية التي أثبتت نجاحها في مناطق أخرى مثل القصيم والجوف وحائل، الأمر الذي يجعل جزءاً كبيراً من هذا الإنتاج حبيس المزارع أو رهين الوسطاء، بدلاً من أن يكون حاضراً بقوة في الأسواق المحلية والإقليمية.
إن الحديث عن وادي الدواسر هو حديث عن سلة غذائية واعدة، فمزارع النخيل تنتج كميات كبيرة من التمور ذات الجودة العالية، إلى جانب محصول “العبري” الذي بات يمثل هوية زراعية خاصة بالمحافظة، فضلاً عن الأعلاف التي تدعم قطاع الثروة الحيوانية، والخضروات والورقيات التي تغذي الأسواق بشكل مستمر، إضافة إلى مشاريع الدواجن التي تسهم في تعزيز الاكتفاء من البروتين الحيواني، لكن هذه المنظومة الإنتاجية المتكاملة لا تحقق كامل جدواها الاقتصادية في ظل غياب قنوات تسويق فعالة، تضمن وصول المنتج للمستهلك بجودة عالية وسعر عادل، وتمنح المزارع عائداً مجزياً يحفزه على الاستمرار والتوسع.
إن التسويق الزراعي لم يعد مجرد عملية بيع وشراء، بل أصبح منظومة متكاملة تبدأ من التغليف والتعبئة، مروراً بالهوية البصرية للمنتج، وانتهاءً بالمنصات الرقمية وسلاسل الإمداد الحديثة، وهو ما يفرض ضرورة التحول من النمط التقليدي في التسويق إلى نماذج أكثر احترافية، تقوم على إنشاء أسواق مركزية حديثة في المحافظة، مجهزة بالبنية التحتية اللازمة للتخزين والتبريد والعرض، وتتيح للمزارعين عرض منتجاتهم بشكل مباشر، بعيداً عن هيمنة الوسطاء، بما يسهم في رفع جودة المنتج وتحقيق العدالة السعرية.
كما أن إطلاق مهرجانات زراعية موسمية في وادي الدواسر، على غرار مهرجانات التمور في القصيم أو الزيتون في الجوف، يمثل فرصة ذهبية للتعريف بالمنتجات المحلية، وفي مقدمتها تمور الوادي و”العبري”، إضافة إلى الخضروات والورقيات ومنتجات الدواجن، حيث لا تقتصر هذه المهرجانات على البيع فقط، بل تمتد لتكون منصات للتثقيف الزراعي، واستقطاب المستثمرين، وتعزيز السياحة الزراعية، وخلق حراك اقتصادي ينعكس إيجاباً على مختلف القطاعات في المحافظة.
ومن الأهمية بمكان أن تتكامل الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجمعيات التعاونية، لتأسيس كيانات تسويقية قوية، تتبنى منتجات وادي الدواسر، وتعمل على تسويقها محلياً وخارجياً، مع الاستفادة من التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية التي أصبحت اليوم أحد أهم أدوات الوصول إلى المستهلك، خاصة في ظل التحولات الكبيرة في سلوك الشراء، كما أن دعم العلامات التجارية المحلية، وتسجيل المنتجات المميزة مثل “عبري وادي الدواسر” كمنتج ذي هوية جغرافية، سيسهم في رفع قيمته السوقية وتعزيز حضوره في الأسواق.
إن تمكين المزارع في وادي الدواسر من أدوات التسويق الحديثة لا يقل أهمية عن دعمه في مراحل الإنتاج، بل قد يكون هو العامل الحاسم في استدامة هذا القطاع، وتحقيق مستهدفات الأمن الغذائي، خاصة في ظل توجه المملكة نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي وتنويع الاقتصاد وفق مستهدفات رؤية 2030، فالمزارع الذي يجد سوقاً عادلة ومنظمة لمنتجه، سيكون أكثر قدرة على الابتكار والتوسع، وأكثر إسهاماً في دعم الاقتصاد الوطني.
وفي ظل ما تمتلكه وادي الدواسر من مقومات زراعية هائلة، فإن الاستثمار في التسويق لم يعد ترفاً، بل ضرورة ملحة لتحويل هذا الإنتاج إلى قوة اقتصادية حقيقية، توازي ما تحققه المناطق الزراعية الأخرى، وتضع المحافظة في مكانتها التي تستحقها على خارطة الزراعة في المملكة، فالأرض هنا تعطي بسخاء، وما ينقصها هو من يوصل هذا العطاء إلى العالم بالصورة التي تليق به.
مبارك بن عوض الدوسري
@mawdd3



