
الخليج لا يصمت … بل يختار متى يتكلم . بقلم الكاتب حمد حسن التميمي
حين تشتعل الحرب بين قوى كبرى، ويصمت الخليج؛ فلا تظن عزيزي القارئ بأن الصمت غياباً، إنه قرار سيادي نابع من وعي عميق بتوازنات القوة. ما يجري اليوم من تصعيد عسكري لا يدور في فراغ جغرافي؛ فمضيق هرمز الذي يمر عبره قرابة خُمس نفط العالم بات ساحةً لاختبار الإرادات الدولية، وأسعار النفط التي تجاوزت مئة دولار، وناقلات تُستهدف، وشركات شحن تُعيد حساباتها على عجل؛ كل هذا يقع على بوابة بيتنا مباشرة، مما يجعل من الهدوء الخليجي سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن السلاح العسكري.
غير أن المشهد الأعمق ليس في دوي الصواريخ، بل فيما تكشفه هذه الأزمات من حقيقة راسخة: أن الاستقرار الإقليمي ليس ترفاً دبلوماسياً، بل هو العصب الذي يقوم عليه الاقتصاد العالمي بأسره. ومن يملك مفاتيح هذا الاستقرار اليوم ليس من يملك أكثر الصواريخ صخباً، بل من يملك أكثر العقول هدوءاً وقدرة على قراءة الغد وسط ضجيج اليوم.
هنا تحديداً يبرز الدور الخليجي بوصفه رصيداً استراتيجياً لا يُقدر؛ فدول الخليج لم تنزلق إلى خنادق الحروب بالوكالة، ولم تُساق خلف أجندات لم تشارك في صنعها. إن موقفنا القائم على ضبط النفس والتمسك بالمسارات الدبلوماسية في أشد اللحظات توتراً هو رسالة للعالم مفادها أن ثمة عقلاً في المنطقة يرفض الانجرار خلف الانفعالات اللحظية، ويفكر بمنطق البناء لا بمنطق الهدم.
التاريخ يُسجل دائماً أن القوى التي صنعت الفارق في الأزمات الكبرى لم تكن تلك التي أطلقت أكثر الرصاص، بل تلك التي حافظت على خيط الحوار حين قطعه الآخرون. وما تقوم به دول الخليج اليوم من تعزيز مسارات التهدئة وصون علاقاتها مع مختلف الأطراف هو رهان مدروس على المستقبل، وتأكيد على أننا لسنا مجرد جغرافيا للمعارك، بل نحن مركز ثقل لصناعة الحلول.
في نهاية المطاف، حين تهدأ المدافع وتجلس الأطراف المتصارعة إلى طاولة التسوية، فإن من سيُحدث الفارق الحقيقي هو من بقي على تواصل مع الجميع، وحافظ على كلمته نظيفة من غبار معارك لم تكن معاركه. الخليج اليوم لا يصمت ضعفاً، بل يدخر كلمته للحظة التي يدرك فيها الجميع أن ضجيج السلاح لم يصنع نصراً، وأن هدوء العقل الخليجي هو الذي سيصنع السلام.
الخليج لا يصمت.. بل يختار متى يتكلم، وهذا التوقيت هو أثمن ما نملك.



