مقالات

هل وضع المخرج الدولي … لمساته على السكة الحديدية المتفحمة بقلم الكاتب حمد بن حسن التميمي

لم تكن تصريحات السفير الأمريكي الجديد مايك هكابي في فبراير 2026 مجرد زلة لسان، بل كشفت ولخصت خطة مدروسة ومحكمة يمكننا قراءتها بوضوح خلف ستائر الواقعية القاسية الجديدة. نحن أمام هندسة للفوضى المدارة، تهدف إلى إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم عبر استراتيجية الحروب المتناوبة؛ معادلة خبيثة تضمن بقاء الدم العربي نازفاً على الأرض دون انقطاع، حيث تُسلم راية القتال من جبهات المحتل إلى جبهات الداخل في صراعات بينية عرقية، طائفية، ومذهبية، لا فرق بينها طالما أن النتيجة واحدة: إنهاك الشعوب في نزاعات مهلبية لا منتصر فيها، تماماً كما كان الحال في سنوات الفناء المتبادل بين العراق وإيران، التي كانت بمثابة عيد دائم لكل من لا يريد لهذه المنطقة أن تستقر أو لعقول أبنائها أن تنمو وتتماثل مع العالم المعاصر.
يريد المخرج الدولي لهذه الشعوب أن تسير على سكة حديدية متفحمة بين قضيبين من النار؛ فإما حروب ومجاعات ونزوح في الأزمات، أو ثقافات منغلقة ترفض الآخر في السلم، ليبقى الإنسان العربي سجيناً لأحقاده القديمة بينما ينمو العالم من حوله على رماد أحلامنا. لكن الملمح الأكثر خطورة في عقيدة هكابي هو ما استلهموه ببراعة من مأساة السودان: تحييد مناطق الثروات عن مناطق الصراعات. رسالة باردة وجهها الوسطاء للأطراف المتناحرة بلسان القوى الكبرى: تقاتلوا كما شئتم، أفنوا قبائلكم وشردوا نساءكم، لكن إياكم والاقتراب من مناجم الذهب وحقول الموارد.
هذه هي الحروب النظيفة بمفهوم واشنطن الجديد؛ دمار شامل في الأحياء والمدن الفقيرة، مقابل حماية مشددة لثروات الأرض التي تُحرس لغير أصحابها. إدارة ترامب وهكابي لا يعنيهم إن جاعت المدن أو تفتت النسيج الاجتماعي، ما يهمهم هو ألا تقفز شرارة الصراع خارج حدود الدول المنهكة لتطال خزائن الموارد الحيوية. نحن اليوم أمام واقع يشرعن فكرة الابتلاع الجغرافي الشامل من النيل إلى الفرات تحت مسميات قديمة، فهل ندرك أخيراً أننا مجرد وقود في مسرحية كُتبت فصولها لضمان بقائنا في ذيل التاريخ، أم سنظل ننتظر حتى نجد العباءة وحيدة على الكرسي المهجور، وقد ضاعت الأرض والثروة معاً؟
فهل يملك الوعي العربي اليوم القدرة على تحطيم هذه السكة الحديدية المتفحمة قبل أن تُغلق الدفاتر على رماد العواصم المنسية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى