
هل يتراجع الفيل الأمريكي والثعلب الإسرائيلي عن حربهما بقلم الكاتب حمد حسن التميمي
في الوقت الذي يغرق فيه الفضاء العام بضجيج المحللين الذين يقتاتون على أوهام التراجع الوشيك، تبرز الحقيقة العارية من مياه الخليج المشتعلة: إن الحروب الكبرى لا تُشن لكي تتوقف ببيان صحفي أو وساطة خجولة. نحن اليوم في اليوم السابع من المواجهة الشاملة، وبينما يطالب دونالد ترامب بالاستسلام غير المشروط لطهران، يدرك العالم أننا أمام مشهد تاريخي لم يبدأ لكي ينتهي سريعاً، بل لكي يقتلع جذوراً قديمة ويغرس أخرى مكانها. إن القراءة الاستراتيجية الصلبة تخبرنا أن زر التراجع قد حُطم فعلياً في اللحظة التي سقطت فيها القنابل الأولى فوق طهران.
لماذا يبدو التراجع مستحيلاً الآن؟ بعيداً عن العواطف، يقف الفيل الأمريكي، دونالد ترامب، أمام مقامرة العمر. لقد حطم ترامب قواعد الدبلوماسية الحذرة واندفع نحو المواجهة الشاملة، وهو يدرك تماماً أن العودة من منتصف الطريق دون نصر ناجز يبرره لقاعدته السياسية ستكون بمثابة انتحار استراتيجي. بالنسبة لترامب، فإن إسقاط النظام الإيراني، أو على أقل تقدير تحويل قدراته العسكرية والنووية إلى حطام، هو الثمن الوحيد الذي يقبله جمهوره مقابل المليار دولار التي تستنزفها ملحمة الغضب من خزينة البنتاغون. إنه لا يبحث عن اتفاق، بل يبحث عن واقع جديد تضمن فيه واشنطن سيادة مطلقة في مياه الخليج، تماماً كما كان الحال قبل عقود.
أما في تل أبيب، فإن الثعلب الإسرائيلي لا يتحرك بدافع الهوس بالبقاء فحسب، بل بدافع رغبة الاقتلاع الجذري. إسرائيل ترى في هذه اللحظة، بعد اغتيال المرشد الأعلى وتدمير البنى التحتية العسكرية، فرصة وجودية لن تتكرر. إن العقلية الإسرائيلية التي نشأت على الارتياب الدائم ترفض أي اتفاق يبقي لخصمها سناً أو ظفراً. بالنسبة لنتنياهو، فإن أي تراجع الآن يعني منح طهران فرصة لترميم جراحها والانتظار لسنوات لتسديد ضربة انتقامية مؤجلة، وهو النمط الذي تتقنه إيران تاريخياً كجزء من ثقافتها الاستراتيجية التي لا تنسى ثأرها. لذا، فإن القرار الإسرائيلي هو المضي قدماً في زئير الأسد حتى نقطة اللاعودة، مستغلاً حالة الإنهاك النفسي والعسكري التي يعيشها الداخل الإيراني.
لكن، وهنا يكمن الفخ الاستراتيجي، إن محاولة كسر رأس الأفعى ليست نزهة تقنية يسيرة. نحن أمام صدام بين منطقين: الفيل الأمريكي الذي يمتلك تكنولوجيا تدميرية هائلة لكنها مكلفة جداً، حيث كل صاروخ يكلف ثروة، وبين النحل الإيراني الذي يتقن حرب الاستنزاف منخفضة الكلفة. طهران، ورغم الضربات القاسية، لا تزال تراهن على الصبر الاستراتيجي والطائرات المسيرة الرخيصة والعمليات الانتحارية التي تنهك الاقتصاد العالمي وتجعل من النصر الأمريكي فاتورة باهظة قد لا تتحملها الجبهة الداخلية في واشنطن طويلاً، خاصة مع تزايد الشكوك الشعبية حول أهداف هذه الحرب اللانهاية.
المفارقة الكبرى هي أن واشنطن وتل أبيب قد دخلا نفقاً لا مخرج منه إلا للأمام. التراجع يعني الهزيمة الاستراتيجية، والاستمرار يعني الغرق في رمال متحركة قد تمتد لشهور وتكلف تريليونات الدولارات. نحن أمام مقامرة كبرى على حافة الهاوية؛ فإما أن تنجح مطرقة ترامب ومكر نتنياهو في تهشيم ما تبقى من النظام وتغيير وجه الشرق الأوسط للأبد، أو أن الرمال الإيرانية ستبتلع طموحات الإمبراطورية وتترك المنطقة في حالة فوضى تتجاوز كل التوقعات.
يبقى السؤال الذي يكسر صمت المكاتب المكيفة في عواصم القرار: هل سيستيقظ العالم غداً على شرق أوسط جديد بلا نفوذ إيراني، أم أننا نشهد بداية النهاية للهيمنة الغربية في مياه الخليج؟ الساعات القادمة لن تخبرنا فقط من سينتصر في الميدان، بل ستخبرنا كم بقي من النظام العالمي القديم قبل أن يتبخر في لهيب مواجهة لا تقبل القسمة على اثنين.



