مقالات

حين يفكر المجتمع بعقل واحد ….. الوعي الجمعي في زمن الأزمات والحروب بقلم الكاتبة والإعلامية شعاع السعد

في الأوقات العادية يعيش الإنسان داخل عالمه الخاص أفكاره الفردية اهتماماته اليومية وطريقته الشخصية في تفسير ما يحدث حوله قد يختلف مع الآخرين وقد يحمل قناعات لا يشاركه فيها أحد لكن حين تمر المجتمعات بأزمات كبرى أو حروب يحدث تحول عميق في طبيعة التفكير الإنساني فجأة لا يعود الناس يفكرون فقط كأفراد بل كجزء من كيان أكبر كأن المجتمع كله يبدأ في التفكير بعقل واحد تقريباً هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ الوعي الجمعي

الوعي الجمعي ليس مجرد اتفاق عابر في الآراء بل حالة فكرية ونفسية تنتشر بين الناس عندما يشعر المجتمع بتهديد مشترك ففي لحظات الخطر تميل العقول إلى البحث عن التماسك بدلاً من الاختلاف وعن الانتماء بدلاً من العزلة ولذلك تتقارب الأفكار والمشاعر وتتشكل رواية مشتركة للأحداث يتبناها عدد كبير من الناس في الوقت نفسه

عندما تقع الحروب لا تتحرك الجيوش فقط بل تتحرك أيضاً العقول والمشاعر يصبح الحدث السياسي أو العسكري جزءاً من الحياة اليومية للناس ويتحول إلى موضوع يشغل التفكير العام في مثل هذه الظروف تتشكل داخل المجتمع لغة مشتركة لفهم ما يجري كلمات تتكرر ومشاعر تتشابه وتفسيرات تنتشر بسرعة بين الناس حتى تبدو وكأنها بديهية

ويلعب الخوف دوراً محورياً في تشكيل هذا الوعي فالخوف من المجهول أو من التهديد الخارجي يدفع الإنسان إلى البحث عن إطار يفسر له الواقع ويمنحه شعوراً بالسيطرة المعنوية على ما يحدث وفي كثير من الأحيان تكون الروايات البسيطة أكثر انتشاراً من التفسيرات المعقدة لأنها تمنح الناس وضوحاً سريعاً في لحظة يغلب عليها الارتباك والقلق

لهذا تميل المجتمعات في أوقات الأزمات إلى تقسيم العالم إلى معسكرات واضحة نحن والآخر الصديق والخصم الضحية والمعتدي هذه الثنائية ليست دائماً انعكاساً كاملاً للواقع لكنها تلعب دوراً نفسياً مهماً في توحيد مشاعر المجتمع وتوجيه طاقته نحو هدف واحد

ومع ذلك لا يمكن النظر إلى الوعي الجمعي باعتباره ظاهرة سلبية فقط ففي كثير من الأحيان يكون هذا الوعي هو ما يمنح المجتمعات قدرتها على الصمود فعندما يشعر الأفراد أنهم جزء من مصير مشترك يصبح التضامن أكثر حضوراً في الحياة اليومية تظهر مبادرات الدعم والتكافل ويشعر الناس بأنهم مسؤولون عن بعضهم البعض وهو ما يعزز قدرة المجتمع على تجاوز اللحظات الصعبة

ولعل التاريخ مليء بأمثلة لمجتمعات استطاعت أن تتجاوز أزمات كبرى لأنها امتلكت شعوراً قوياً بالوحدة والتماسك فالأزمات أحياناً تكشف أفضل ما في الإنسان إذ تدفعه إلى تجاوز فرديته الضيقة والتفكير في المصلحة العامة

لكن الوجه الآخر للوعي الجمعي يظل حاضراً أيضاً فعندما تتوحد الأفكار بشكل كبير قد تضيق مساحة التساؤل والنقد في زمن السلم يُنظر إلى الاختلاف في الرأي باعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة الفكرية أما في زمن الأزمات فقد يُنظر إليه أحياناً باعتباره تهديداً لوحدة المجتمع وهنا يكمن التحدي الحقيقي كيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على تماسكه دون أن يفقد تنوعه الفكري

إن أخطر ما قد يحدث في بعض الأزمات هو أن يتحول الوعي الجمعي من قوة توحد المجتمع إلى قوة تضغط على الأفراد ليتبنوا رؤية واحدة فقط للعالم ففي اللحظات التي يختفي فيها التساؤل يصبح التفكير الجمعي أكثر قابلية للانقياد خلف أي رواية تبدو مقنعة في تلك اللحظة

وربما تكشف الحروب والأزمات حقيقة أساسية في طبيعة الإنسان فهو كائن فردي بطبيعته لكنه في اللحظات المصيرية يعود دائماً إلى الجماعة يحتاج إلى الشعور بأنه ليس وحده في مواجهة الخطر وأن هناك وعياً مشتركاً يربطه بالآخرين حوله

وفي النهاية يمكن القول إن الأزمات لا تصنع الوعي الجمعي بقدر ما تكشفه وتضخمه فهي اللحظة التي تتلاقى فيها مشاعر الخوف والأمل والانتماء داخل المجتمع فتتشكل حالة فكرية مشتركة تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة

ففي زمن الحروب لا يتغير الواقع السياسي فقط بل يتغير أيضاً شكل التفكير نفسه ويكتشف الإنسان أن عقله مهما بدا مستقلاً يظل جزءاً من شبكة واسعة من العقول والمشاعر التي تتفاعل معاً لتصنع ما نسميه وعي المجتمع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى