
لعبة الكراسي …. ماذا فعلت طهران حين توقفت الموسيقى .بقلم الكاتب حمد حسن التميمي
في اللحظة التي كانت فيها المنطقة تنتظر تغليب لغة العقل، اختارت طهران أن تضرب بتهور لا مبرر له، معلنة انقطاع آخر أوتار الدبلوماسية. الحقيقة العارية في مارس 2026 هي أن الهجوم الأخير لم يكن استعراضاً للقوة، بل كان ارتباكاً فاضحاً لحظة توقف الموسيقى في لعبة الكراسي الإقليمية؛ حيث بدد الانفعال ما تبقى من تعاطف خليجي، وأحرق جسور الجوار التي بُنيت بصبر استراتيجي طويل. لقد ظن المقامرون أن المسيرات ستحجز لهم مقعداً، فإذا بها تخرجهم من دائرة الأمان تماماً.
ورأيي الذي يفرضه الوعي الميداني هو أن هذا الاعتداء كشف زيف ادعاءات الحرص على استقرار المنطقة. طهران بهذا السلوك لم تضعف موقفها الدولي فحسب، بل حولت الحياد الخليجي الصادق إلى حالة من الارتياب المشروع والحزم الصارم. إن الرهان على سعة صدر عواصم القرار في منطقتنا هو رهان خاسر؛ فالسيادة لا تُجزأ، والكرامة الخليجية ليست مادة للمساومة تحت ضغط التهديدات الجوفاء التي تهدف لتغطية التآكل الداخلي لخصم فقد بوصلة الحكمة، وقرر تحويل سماء الخليج إلى ساحة لتصريف أزماته الخانقة التي تفتقر للنفس الطويل.
أتنبأ بأن المرحلة القادمة ستكشف عن عزلة إقليمية خانقة لمن اختار لغة النار فوق لغة الحوار. القوة الحقيقية اليوم لا تكمن في القدرة على الهدم، بل في القدرة على حجز مقعد ثابت في نظام عالمي لا يحترم إلا الأقوياء الذين يحصنون حدودهم بصلابة ويقين. من ينجح في تأمين أجوائه وسيادته وسط هذا الغليان، هو وحده من سيبقى جالساً بكرامة حين يسقط الواهمون عن كراسي طموحاتهم التوسعية التي لن تحصد سوى الخيبة في مياهنا العميقة، ليعلم الجميع أن اللعبة انتهت، وأن المقاعد المحجوزة هي فقط لمن احترم عهود الجغرافيا.
إن الأرض التي ترفض الانكسار لا تقبل أن تكون مسرحاً لمغامرات النفس القصير، وحماية قفل السيادة الخليجية هي معركة وجود لا تقبل القسمة على اثنين. لقد آن الأوان لندرك أن الحكمة وحدها هي التي تحمي الاستقرار، بينما يهدم التهور كل فرص النجاة. وحين سكتت الموسيقى وانكشف الغبار، لم يجد المعتدي لنفسه مكاناً سوى في سجلات الإدانة، تاركاً خلفه جسوراً محترقة لن تُبنى بكلمات الندم، فالسيادة هي الحقيقة الوحيدة التي تبقى حين تنتهي اللعبة وتتوقف الأوهام.



