
“هل بدأت الحرب العالمية الثالثة”… فعلاً بقلم الكاتب حمد حسن التميمي
بين سيناريوهات السقوط وطبول الحرب التي تقرع في الأفق، أجدني أمام تساؤل لم يعد ترفاً فكرياً؛ هل نعيش فعلياً في قلب العالمية الثالثة دون أن ندرك ذلك؟ إن الحقيقة المرة هي أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بطلقة واحدة، بل هي مخاض طويل من مؤشرات استراتيجية تضع العالم أمام فوهة البركان. والمفارقة التي تصفع وجه المتفائلين بالهدوء هي أننا نعيش اليوم أولى هذه العلامات وأكثرها شراسة، وهي حالة الشلل التي تضرب الممرات البحرية؛ فمن مضيق هرمز الذي يغلي، إلى البحر الأحمر الذي تحول لساحة اصطياد، نجد أن الاقتصاد العالمي دخل حالة حرب عملية، وبينما ننتظر إغلاقاً قانونياً شاملاً للممرات، نجد أن الشحنات تتأجل والأسعار تلتهب، في أول ملامح الانهيار الكبير.
لكن، ورغم أن دخان الممرات يزكم الأنوف، إلا أن العالم لا يزال يحبس أنفاسه بانتظار المؤشر الأخطر، وهو الاشتباك العسكري المباشر بين الجبابرة. فحتى هذه اللحظة، لا تزال المواجهة بين واشنطن وبكين، أو بين أمريكا وروسيا، تدور في مناطق الظل عبر الوكلاء، ولم نصل بعد لمرحلة التعبئة العسكرية الشاملة التي تعني انفجار الصراع العالمي الحتمي. وبموازاة ذلك، تظل المادة الخامسة من حلف الناتو معلقة كالسيف فوق الرؤوس؛ فدخول الحلف بشكل جماعي يعني تحول الصراع فوراً لمواجهة عابرة للقارات تبتلع الأخضر واليابس. غير أن الرعب الحقيقي يكمن في تجاوز الخطوط الحمراء نحو استخدام السلاح غير التقليدي؛ فدخول السلاح النووي، أو الكيميائي، أو وقوع أي كارثة إشعاعية، سيعصف بكل القواعد الدولية فجأة، وينقلنا لمرحلة اللاعودة حيث لا رابح في محرقة يفقد فيها العالم عقله.
وهنا، لا بد أن أستحضر ما طرحته سابقاً حول السيناريو الرابع؛ ذلك السيناريو الذي يكسر مثلث الفوضى المتداول، ويقوم على فكرة السيادة الخليجية النافذة. فبمجرد النظر لواقع الحال، ندرك أن قوة المنطقة اليوم تكمن في قدرتها على إدارة هذا المشهد لا انتظاره؛ فنحن لا نتحدث عن أرقام، بل عن كرامة ممرات تُفرض فوقها السيادة بقرار مستقل، غصباً عن كل التهديدات التي تحاول ابتزاز العالم عبر ورقة الطاقة. السيادة الحقيقية في هذا المختبر المرير هي التي تمنعنا من أن نكون وقوداً في حرب الآخرين، وتحول التهديد إلى فرصة لفرض واقع أمني يحمي أرضنا كبقعة أمان وحيدة وسط هذا الجنون الاستراتيجي الكوني.
أتنبأ بأن المرحلة القادمة ستكشف عن سلاح السيادة الذي نمتلكه في مواجهة جنون القوى العظمى. من يسبق لاستيعاب أن القوة لم تعد في عدد الرؤوس الحربية فقط، بل في القدرة على لجم الفوضى ومنع توقف الحياة، سيكون هو الناجي الوحيد من محرقة الجبابرة. إننا أمام اختبار للهيبة، والرد الموحد هو صمام الأمان الذي يمنع انزلاق المنطقة نحو الحرب الشاملة، ويؤكد للعالم أننا لسنا مجرد محطة عبور، بل مركز قرار يحسب له الجميع ألف حساب قبل أن يضغط أي أحمق على زناد الفناء الشامل. الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أن الحرب العالمية لا تعلن عن نفسها إلا حين تجتمع هذه العناصر معاً: قوى عظمى تتقاتل وجهاً لوجه، وحرب جماعية للناتو، وشلل تام لحركة التجارة العالمية، وتهديد حقيقي بالانتحار النووي الذي قد ينهي شكل العالم الذي نعرفه.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتوقف عند مراقبة الرادارات أو قراءة التقارير الدولية، بل يبدأ من وعينا بأن السيادة هي الدرع الأخير في عالم فقد بوصلته. نحن لا نملك رفاهية الحياد السلبي، بل نملك زمام المبادرة لرسم خارطة طريق تحمي ترابنا من أن يصبح ساحة لتصفية حسابات إمبراطوريات تتهاوى. المستقبل لا ينحاز لمن يخشى العاصفة، بل لمن يجيد الإبحار وسطها بثبات، وحين نتمسك بقرارنا السيادي المستقل، نكون قد حمينا إرثنا وحق أجيالنا في العيش على أرضٍ ترفض أن تكون وقوداً لأي دمار قادم، تاركين للعالم درساً في كيف تكون المنعة هي لغة السلام الحقيقية في زمن الانكسارات الكبرى.



