
الكرة الطائرة في وادي الدواسر .. إرث رياضي متجذر يحيي ليالي رمضان ويعزز تلاحم المجتمع بقلم الإعلامي مبارك بن عوض الدوسري
في محافظة وادي الدواسر لا تُعدّ الكرة الطائرة مجرد لعبة تُمارس في الساحات المفتوحة، بل هي حكاية جيلٍ بعد جيل، وملامح ذاكرةٍ جماعيةٍ ارتبطت بالمكان والناس، حتى غدت الرياضة الشعبية الأولى في أحيائها ومراكزها، وعنواناً ثابتاً لليالي رمضان التي تنبض بالحياة؛ فمنذ منتصف ستينيات القرن الميلادي الماضي، بدأت ملامح هذه العلاقة تتشكل على استحياء على نور “الأتاريك”؛ وعلى الساحات الترابية البسيطة التي احتضنت أولى المباريات بإمكانات محدودة وأدوات متواضعة؛ لم تكن هناك مدرجات ولا إنارة كافية، بل حبل يُشد بين قائمين أو بين حائطين، وأرضٌ مستوية بجهد الشباب، وحماسٌ لا يعرف الفتور؛ ومع دخول الكهرباء إلى المحافظة مطلع السبعينيات، اتسعت رقعة الضوء، واتسعت معها مساحة اللعبة وانتشارها، لتنتقل من نطاقٍ ضيق إلى حضورٍ واسع في مختلف الأحياء؛ ولعل سرّ تفضيل الكرة الطائرة في تلك المرحلة يعود إلى بساطتها وسهولة ممارستها مقارنةً بغيرها من الألعاب؛ فهي لا تحتاج إلى مساحات شاسعة أو تجهيزات معقدة، كما أن المدارس أسهمت بدورٍ فاعل في تعزيز حضورها عبر الأنشطة الرياضية المبكرة، ما رسّخها في وجدان الطلاب، وحوّلها إلى ممارسة يومية محببة، ويبلغ هذا الشغف ذروته مع حلول شهر رمضان المبارك، حين تتحول الساحات بعد صلاة التراويح إلى ملاعب مفتوحة تعج بالحركة والتنافس، وتمتد المباريات حتى قبيل السحور في أجواءٍ يسودها الانسجام وروح الفريق؛ حيث لا تُسمع فقط أصوات ارتطام الكرة بالشبكة، بل تتعالى ضحكات الأصدقاء، وتتجدد اللقاءات، وتُبنى جسور التواصل بين مختلف الأعمار، يتولى اللاعبون بأنفسهم تجهيز الملاعب؛ يسوّون الأرض، ويثبتون الشبكات، ويهيئون الإضاءة، في مشهدٍ يعكس روح المبادرة والعمل الجماعي التي تميز المجتمع المحلي، ومساحة تلاقي، ومدرسة غير رسمية للقيم، ومنصة لترسيخ الاحترام والانضباط وروح التعاون؛ ومع تسارع وتيرة التطوير الرياضي في المملكة، تبقى الكرة الطائرة في وادي الدواسر شاهداً حيًا على قدرة الرياضة الشعبية على صناعة الفرح وتعزيز التماسك الاجتماعي، لتظل الشباك المنصوبة في ساحات الأحياء رمزاً لوصل القلوب قبل تبادل الكرات، وذاكرةً نابضة تحكي قصة مجتمع وجد في بساطة اللعبة عمق الانتماء وجمال المشاركة.



