
“وأرنا مناسكنا”.. دعاءٌ يبني الأمم ويُهذب الأرواح”. بقلم الإعلامي عبدالله بنجابي
حين رفع النبي إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام القواعد من البيت، لم يكن شغلهما الشاغل مجرد البناء المادي من حجر وطين، بل كانت قلوبهما تتطلع إلى “البناء المعنوي” للأمة التي ستسكن هذا الوادي غير ذي الزرع. فجاء النداء الخالد: “وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”.
لماذا “أرنا”؟
إن كلمة “أرنا” هنا تتجاوز مجرد الرؤية البصرية؛ إنها طلب للبصيرة واليقين. فالمناسك ليست مجرد حركات جسدية من طواف وسعي ورمي، بل هي “مدرسة” متكاملة لتهذيب النفس وتدريبها على الطاعة المطلقة لله. إننا حين نسأل الله أن “يرينا مناسكنا”، فنحن نطلب منه أن يعلمنا:
كيف نعبد: بالطريقة التي يرضاها لا بأهوائنا.
أين نعبد: في البقاع الطاهرة التي اختارها سبحانه لتعظيم شعائره.
بأي روح نعبد: بروح التوبة والاستسلام (وتب علينا).
المناسك.. رحلة النظام والجمال
تتجلى عظمة هذه المناسك في كونها تنظم حركة الملايين في وقت واحد، ومكان واحد، ولباس واحد. هذا التنظيم الإلهي هو ما نسعى اليوم لترجمته في واقعنا المهني والمجتمعي؛ فالمناسك تعلمنا أن لكل عمل “ميقاتاً” و”ركنًا” و”واجبًا”، وبدون هذا الترتيب يختل العمل.
رؤية القيادة في خدمة المناسك
إن ما نشهده اليوم في مملكتنا الغالية من تطور هائل في تيسير هذه المناسك، هو استجابة عملية لهذا الدعاء التاريخي. فبفضل الله ثم بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، تحولت المشاعر المقدسة إلى نموذج عالمي في إدارة الحشود والتحول الرقمي، مما يضمن لكل مسلم أن يرى مناسكه ويؤديها بكل يسر وطمأنينة.
“وأرنا مناسكنا” هو دعاء لطلب التوفيق في العمل، والقبول في العبادة، والوضوح في الرؤية. إنها دعوة للاتصال بالمصدر الإلهي في كل خطوة نخطوها، سواء كنا نطوف حول الكعبة، أو نخدم مجتمعنا في ميادين التنمية والتطوير.



