
“ليست متأخرة .… إنها لحظتك ” .. بقلم الكاتبه منيره عوض الله الحربي
في زحمة الأعمار، ونحن نعدُّ السنوات كما يُعدّ المسافر محطات الطريق، نظنّ أن لكل حلمٍ ساعةً إن تجاوزها انطفأ، ولكل أمنيةٍ موعدًا إن فات صار ظلًّا باهتًا لا يُستعاد. نُربّي في داخلنا فكرةً خفيّة تقول إن البدايات وحدها تستحق الاحتفال، وإن اللمعة الأولى هي الأصدق، وإن ما يأتي بعد التأخّر ليس إلا عزاءً رقيقًا لخسارةٍ لم نُحسن الإمساك بها. غير أنّ الحياة — في حكمتها المراوغة — لا تسير وفق هذا الحساب الصارم، ولا تخضع لتقويمٍ صنعناه على عجلٍ من شغف الشباب وخوف الفوات.
نركض كثيرًا خلف صورةٍ مثالية للفرح، صورةٍ صاخبةٍ تلمع تحت أضواءٍ عالية، ونغفل عن تلك الأفراح الصغيرة التي تمشي إلينا على أطراف الصمت. ننتظر التصفيق كي نصدق أننا انتصرنا، وننتظر الضجيج كي نشعر أن للحظة وزنًا، بينما في أعماقنا تتشكّل انتصارات أخرى، هادئة كنبضٍ مطمئن، وعميقة كجذرٍ وجد أخيرًا ماءه بعد طول عطش.
وليس للأشياء الجميلة ساعةٌ محددة في دفتر القدر، ولا تلتزم بمواعيد الحفلات الصاخبة كي تُحسب انتصارًا. الجمال لا يتأخر، نحن فقط نظنّ أن له توقيتًا مثاليًا يشبه اندفاع الشباب أو عنفوان البدايات. لكن ماذا لو أن للأشياء بهاءً آخر حين تأتي بعد التعب؟ ماذا لو أن بعض الأزهار لا تفوح إلا في المساء؟
الانتصار في لحظة التجلي الملحمي جميل، نعم… لكنه ليس الشكل الوحيد للجمال. هناك جمال هادئ، يأتي كنسمةٍ باردة بعد صيفٍ طويل، لا يصفق له أحد، ولا تُضاء له المسارح، لكنه يرمّم في القلب ما كاد أن ينهار. أليس هذا انتصارًا أيضًا؟ انتصارًا صامتًا، لا يطلب احتفالًا، بل يكتفي بالسكينة.
لكل عمرٍ فتنةٌ تخصّه، ولكل مرحلةٍ طعمها الذي لا يتكرر. جمال العشرين ليس هو جمال الأربعين، وحماسة البدايات ليست أصدق من حكمة النهايات. في كل زمنٍ شيء يستحق الامتنان، حتى لو لم يكن ملحميًا. فليست الحياة كلها معارك تُنتزع في ذروة الضجيج؛ أحيانًا تكون أجمل لحظاتها تلك التي تحدث بعد أن يخفت التصفيق، حين نجلس مع أنفسنا وندرك أننا ما زلنا نشعر… وما زلنا قادرين على الحب.
الأشياء الجميلة لا تفقد قيمتها إن جاءت متأخرة؛ ربما تأتي حين نكون أكثر قدرة على تقديرها، حين يكون القلب قد هدأ من اندفاعه، لكنه لم يفقد دفئه. حين لا نريد منها أن تُشعلنا، بل أن تُطمئننا.
اترك مساحةً لروحك أن ترفرف خارج حسابات الزمن. دعها تمتص الجمال كما هو، لا كما كنت تتمنى أن يكون. قد يكون في نسمة هواءٍ عليل ما يعادل ملحمة، وفي رائحة عطرٍ فواح ما يكفي ليعيد ترتيب الفوضى داخلك. الجمال لا يحتاج عنفوانًا دائمًا، أحيانًا يكفيه حضورٌ صادق.
فلا تخشَ أن تأتي الأشياء الجميلة متأخرة…
ربما لم تكن متأخرة أبدًا،
ربما جاءت تمامًا في اللحظة التي أصبحتَ فيها مستعدًا لرؤيتها.



