
شجرة آل قنام المباركة… حين أضاءت “النويعمة” طريقها بالعلم يقلم الاعلامي مبارك بن عوض الدوسري
في زمنٍ بعيد، حين كانت قرية “النويعمة” في وادي الدواسر تغفو على ليلٍ طويل، لم يكن الظلام فيه ظلام طريق فحسب، بل ظلام معرفة، وقلة موارد، وبساطة عيش، خرج من رحم هذه القرية رجلٌ لم يحمل مصباحاً بيده، لكنه أشعل نوراً في العقول والقلوب… فكان ذلك النور أبقى من أي ضياء؛ إنها شجرة آل قنام المباركة، التي غُرست جذورها الأولى على يد الشيخ مبارك بن محمد بن إبراهيم آل قنام، رحمه الله، يوم قرر أن يجعل من الجامع الوحيد في النويعمة آنذاك منارة علم، ومن الألواح الخشبية صفحات أمل، ومن أصوات الأطفال وهم يتهجون الحروف طريقاً لمستقبل مختلف.
لم يكن الشيخ مبارك معلماً عابراً في ذاكرة القرية، بل كان المرجع الأول، والإمام والخطيب، والمربي، والحاضن لأبناء النويعمة في زمن لم يعرف التعليم النظامي بعد؛ على يديه تعلّموا القراءة والكتابة، وحفظوا القرآن الكريم، حتى غدا اسمه مقترناً في وجدان أهل القرية بالفضل بعد الله، فلا يُذكر علمٌ ولا حفظٌ ولا وعيٌ إلا ويُقال: هذا من بركة شيخنا مبارك آل قنام؛ ورغم وجود مشايخ في القرى المجاورة، بقيت النويعمة تنسب الفضل لشيخها، لأنه لم يكتفِ بالتعليم، بل غرس القيم، وربط العلم بالمسجد، وربّى جيلاً حمل الأمانة من بعده؛ وحين وارى التراب ذلك الشيخ الجليل، لم تنطفئ الشمعة، بل تكاثرت أنوارها…
فكان أبناؤه امتداداً طبيعياً لتلك الرسالة؛ فقد تولى ابنه عبدالعزيز الإمامة وجمع بين العلم الشرعي والتعليم النظامي، حتى أصبح مديراً لتعليم البنات في وادي الدواسر، محققاً منجزات تعليمية لا تزال شاهدة على أثره، فيما ظلت خطبه في جامع النويعمة – آنذاك- دروساً أسبوعية يتزود بها الأهالي وعظاً وفهماً وتوجيهاً؛ وسخر قلمه لخدمة القرية إعلامياً ، وتولى ابنه إبراهيم الإمامة في مسجد آخر، وكان له الفضل – بعد الله – في إنشاء أول مكتبة أهلية في النويعمة، وكأن الرسالة واضحة: العلم لا يكتفي بالمنبر… بل يحتاج كتاباً، ورفاً، ويداً تمتد للقارئ؛ ثم جاء الشيخ محمد بن مبارك آل قنام، إماماً ومرشداً، وعاملاً في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يؤدي دوره التوعوي حتى عرفه أهل القرية باسم “المطوّع”، فكان إمامهم، وناصحهم، ومفسر أحلامهم، وصاحب كلمةٍ مسموعة، لا بالشدّة، بل بالحكمة والقرب من الناس؛ وتواصل الامتداد…فخلفه أبنه عبدالعزيز الذي تولى إمامة الجامع ذاته الذي تعاقبت عليه هذه الشجرة المباركة، وأضاف بعداً جديداً للعطاء، حين سعى إلى إعداد خطب الجمعة والعيدين والاستسقاء، ونشرها عبر موقع إلكتروني أنشأه خصيصاً، لتخرج رسالة النويعمة من حدود القرية إلى فضاء أوسع، ويتسع الظل الذي بدأت به تلك الشجرة؛ ليؤكد أن هذه الشجرة لا تزال تُثمر، وأن جذورها ضاربة في الأرض، وأغصانها تمتد حيثما وُجد عطشٌ للعلم والهداية؛ وليس هؤلاء وحدهم…فهناك الكثير من الأبناء والأحفاد من شجرة آل قنام المباركة، ممن حملوا العلم، وأسهموا في التوعية، وخدموا قريتهم ومحافظتهم، حتى اتسعت الدائرة، وأصبح أثر النويعمة يُرى خارج حدودها، بفضل شجرةٍ لم تثمر مالاً ولا جاهاً، بل أثمرت إنساناً واعياً.
إن قصة آل قنام ليست مجرد سيرة عائلة، بل حكاية قرية، ودليل حيّ على أن النويعمة، وإن بدت صغيرة في الجغرافيا، فهي كبيرة برجالها، وبعلمائها، وبمن آمنوا أن تبديد الظلام لا يحتاج إلا قلباً صادقاً، وعلماً نافعاً، وصبراً طويلاً.
رحم الله الشيخ مبارك بن محمد آل قنام، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وبارك في ذريته، وفي كل شجرة علمٍ تُزرع في أرض النويعمة، لتبقى الطريق مضيئة… جيلاً بعد جيل.



