
” الجودة بين صرامة النظام وغياب الإنسان” بقلم : د . داليا يغمور
في كثير من المؤسسات، تُقاس الجودة بالأرقام، وتُعرض في تقارير أنيقة، وتُناقش في اجتماعات طويلة. تُراجع الإجراءات، وتُحدّث النماذج، وتُضبط المؤشرات بدقة… ومع ذلك، تتعثر الخدمات، وتتكرر الأخطاء، ويبهت الرضا.
وحين نبحث عن السبب، نادرًا ما نلتفت إلى الحقيقة الأكثر بساطة: الإنسان المتعب خلف الجودة.
إدارة العمل لم تُخلق لتكون مجموعة تعليمات، ولا إدارة الجودة وُجدت لتكون عبئًا إضافيًا على العاملين. كلاهما، في جوهره، وُجدا ليجعلا العمل أسهل، وأكثر عدلاً، وأكثر إنسانية. لكن حين يُدار العمل بمعزل عن شعور الموظف، وحين تُطبق الجودة دون وعي بحالة من ينفذها، تتحول أفضل الأنظمة إلى عبء صامت.
في الميدان، تتضح الصورة أكثر.
موظف يلتزم بالإجراء، لكنه لا يجد مساحة ليشرح تعثره.
فريق يحقق المستهدف الرقمي، لكنه يعمل تحت ضغط مستمر.
خدمة تُنجز في وقتها، لكن بلا روح، بلا ابتسامة، بلا أثر حقيقي.
هنا لا تكون المشكلة في الإجراء، بل في الإنسان الذي أُرهق حتى فقد قدرته على الإحساس بالجودة.
الجودة الحقيقية لا تبدأ من نموذج، بل من شعور.
من إحساس الموظف بالأمان الوظيفي، من ثقته بأن صوته مسموع، من يقينه أن الخطأ ليس نهاية، بل فرصة للتعلم. حين يشعر العامل أنه مُقدّر، يصبح أكثر التزامًا، وأكثر دقة، وأكثر حرصًا على جودة ما يقدمه، دون حاجة إلى رقابة مشددة أو تقارير متراكمة.
في إدارة العمل، كثيرًا ما نُطالب الموظف بالمرونة، والسرعة، والالتزام، والابتكار في آن واحد، دون أن نسأله: هل لديك المساحة النفسية لذلك؟
نطلب الجودة، لكننا لا نمنح الوقت.
نطلب الإتقان، لكننا لا نخفف العبء.
نطلب المبادرة، لكننا نُضيّق هامش الخطأ.
ثم نتساءل بهدوء: لماذا تراجعت الجودة؟
إن أكثر ما تهمله بعض أنظمة الجودة هو الإنسان نفسه.
تُقاس المخرجات بدقة، لكن لا تُقاس حالة من يُنتجها.
تُرصد الانحرافات، لكن لا يُرصد الإرهاق.
تُحلل النتائج، لكن لا يُصغى للقصص التي خلفها.
التجربة أثبتت أن المؤسسات التي نجحت في ترسيخ جودة مستدامة، لم تبدأ من تشديد الرقابة، بل من الاستماع.
الاستماع للموظف قبل المستفيد.
الاستماع للميدان قبل التقرير.
الاستماع لما لا يُقال في الاجتماعات الرسمية.
حين يصبح الموظف شريكًا لا منفذًا فقط، تتحول الجودة من التزام إلى قناعة، ومن عبء إلى قيمة. وحين يشعر العامل أن إنسانيته محفوظة، فإنه يقدم أفضل ما لديه دون أن يُطلب منه ذلك.
الجودة لا تتعب من كثرة العمل،
بل تتعب حين تُدار دون قلب.
وحين نعيد الإنسان إلى قلب إدارة العمل، تعود الجودة إلى معناها الحقيقي… هادئة، صادقة، ومستدامة.



