
حين لا ينتهي الحوار… بل يبدأ
قراءة تحليلية في مفاهيم العطاء كما طُرحت في اللقاء
بقلم: الإعلامي هاني الجهني
بعد اللقاء الذي أجريته مع صاحبة السمو الملكي الأميرة الدكتورة أضواء بنت فهد بن سعد بن سعود آل سعود، والذي نُشر عبر صحيفة «أخباركم»، برزت جملة من الأفكار التي تستحق التوقف عندها قراءةً وتحليلًا، لا بوصفها إجابات حوارية فحسب، بل باعتبارها ملامح لتحول أعمق في فهم العمل الإنساني.
فمن خلال الحوار، لم يُقدَّم العطاء كفعل عاطفي مؤقت أو مبادرة موسمية، بل كمسؤولية واعية ترتبط بالإنسان قبل أي عنوان آخر. هذه النقطة شكّلت مدخلًا مهمًا للقراءة، إذ انتقل الحديث من فكرة “تقديم المساعدة” إلى مفهوم “صناعة الأثر”، وهو تحول يعكس نضجًا في الوعي التنموي.
وفي حديث سموها عن تعريفها لنفسها بوصفها “طالبة في مدرسة العطاء”، ظهر بوضوح أن العمل الإنساني ليس حالة اكتمال، بل مسار تعلم مستمر. وهو طرح يعيد ترتيب العلاقة بين المبادرة والإنسان، حيث يصبح التطور الذاتي جزءًا من فلسفة العطاء لا تفصيلًا هامشيًا فيها.
كما أكدت إجاباتها أن العمل الإنساني اليوم لم يعد خيارًا فرديًا، بل واجبًا وطنيًا يتقاطع مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي جعلت الإنسان محور التنمية. وبهذا المعنى، لم يعد العطاء عملاً إضافيًا، بل جزءًا من المسؤولية المجتمعية الشاملة.
وعند الحديث عن مبادرة «أضواء الخير»، لم تُطرح بوصفها تجربة مستقلة، بل كجسر يربط بين القدرة والاحتياج، في توجه واضح لتحويل المساعدات الآنية إلى تمكين حقيقي يغيّر مسار حياة الأفراد. هذا الطرح يوضح الفرق بين مبادرة تؤدي دورًا مؤقتًا، وأخرى تصنع تغييرًا مستدامًا.
وفي تأكيدها أن المبادرات المؤثرة هي تلك التي تعالج الجذور لا الأعراض، برزت رؤية تنموية ناضجة ترى أن الحلول السريعة، مهما بدت مؤثرة، لا تُحدث تحولًا حقيقيًا ما لم تُبنَ على فهم عميق للاحتياج الإنساني.
كما توقفت سموها عند لحظات الإحساس بضخامة الاحتياج، مؤكدة أن التحدي لا يُواجه بالعمل الفردي، بل بالتشارك والعمل الجماعي المؤسسي. وهي رؤية تعكس إدراكًا بأن ما يعجز عنه الفرد يمكن أن يحققه الوطن بتكاتف جهوده.
وفي محور تمكين المرأة، جاء الطرح واقعيًا بعيدًا عن الشعارات؛ حيث برزت المرأة السعودية كشريك فاعل في صناعة الأثر، بما تمتلكه من وعي تنظيمي وحس إنساني جعل حضورها في قطاع التنمية الاجتماعية حضورًا جوهريًا لا تكميليًا.
ومن بين أكثر النقاط التي استوقفت القارئ في الحوار، الحديث عن اختزال العمل الإنساني في الصورة. فالإشكالية — كما ورد في الإجابات — ليست في التوثيق ذاته، بل في تحوّله إلى غاية تسبق الجوهر. فالقيمة الحقيقية للعطاء تبقى فيما يتركه من أثر، لا فيما يُعرض منه أمام الكاميرا.
أما التحدي الأبرز، فتمثل في الحاجة إلى إدارة الأثر بعقلية احترافية، تضمن أن كل جهد يُبذل ينعكس فائدة حقيقية ومستدامة. وهو طرح ينسجم مع التوجه الوطني الذي يرى في العمل الإنساني قطاعًا تنمويًا يُدار بالكفاءة، لا نشاطًا موسميًا محدود الأثر.
ومن خلال مجمل ما طُرح في اللقاء، تتشكل صورة واضحة لمفهوم جديد للعطاء في المملكة؛ مفهوم يقوم على الوعي، والاستدامة، والتمكين، وصون كرامة الإنسان بوصفها القيمة الأعلى.
وهنا يمكن القول إن الحوار لم ينتهِ عند حدوده التقليدية، بل فتح مساحة أوسع للفهم والتأمل. فحين يتحول العطاء من فعل إلى وعي، ومن مبادرة إلى منهج، يصبح الأثر أكبر من أن يُختزل، وأعمق من أن يُقاس، وأكثر حضورًا من أن يُغلق بخاتمة



