
نزرع الشوك… ثم نطالب بالعنب
لسنا ضحايا ظروف،نحن – في كثير من الأحيان – ضحايا اختياراتنا.
نخطئ حين نتصرف وكأن النتائج تخوننا، بينما الحقيقة أبسط وأقسى: نحن نحصد ما نزرع، حتى وإن تجاهلنا ذلك طويلًا. المثل القديم يقول: اللي يزرع الشوك ما يحصد العنب، وهو مثل لا يحمل قسوة بقدر ما يحمل عدلًا؛ يضع العلاقة بين البداية والنهاية دون تبرير، ويترك لنا مسؤولية الفهم أو الإنكار.
التجربة، قديمًا وحديثًا، تثبت أن النتائج لا تأتي عشوائيًا. فكل إنجاز مستدام وُلد من قرارات صعبة في بدايته، وكل إخفاق متكرر سبقه تساهل مبرَّر. ليست المشكلة في ضعف الفكرة، بل في رداءة الزراعة منذ اليوم الأول.
الإشكال لا يكمن في وضوح القاعدة، بل في رغبتنا المستمرة في كسرها دون أن ندفع الثمن. نزرع بعقلية مؤقتة، ونفكر بمنطق اللحظة، ثم نطالب بنتائج طويلة المدى، ونندهش حين لا تتحقق. كأن الإنجاز يولد من النية الحسنة، لا من القرار الصحيح.
في كثير من البيئات، لا تُتخذ القرارات لأنها الأفضل، بل لأنها الأسهل. لا يُقدَّم الأكفأ لأنه الأنسب، بل لأنه الأقل إزعاجًا. لا تُبنى الخطط لأنها دقيقة، بل لأنها مريحة. ومع ذلك، تبقى التوقعات عالية، والخطاب مليئًا بالكلمات الكبيرة، وكأن اللغة قادرة على تعويض هشاشة الأساس.
نزرع التسرّع، وننتظر نضجًا.
نزرع المجاملة، ونطالب بالصدق.
نزرع التساهل، ونبحث عن الاحتراف.
نزرع الفوضى، ونتمنى الاستقرار.
وحين لا يأتي العنب، نبدأ بلوم الأرض، والطقس، والوقت، والظروف، وكل شيء… عدا البذرة.
والحقيقة التي لا نحب سماعها: النتائج لا تخون، الاختيارات هي التي تفعل.
في الإعلام، كلما غابت المعايير، ارتفع الصوت مؤقتًا وانخفض التأثير طويلًا. المحتوى السهل ينتشر، لكنه لا يبقى، بينما ما يُبنى على عمق حقيقي قد يتأخر، لكنه يرسخ. لذلك تفشل مبادرات كثيرة لا لضعف فكرتها، بل لأنها اختارت طريقًا سريعًا لا يحتمل الاستدامة.
وفي الإدارة، تُدار ملفات بعقلية الإطفاء لا البناء، ثم يُستغرب غياب الاستقرار. وفي المجتمع، نُربّي على السهل، ونخشى الصرامة، ثم نصدم حين يعجز الجيل عن مواجهة أول اختبار حقيقي. ليست أزمة أجيال، بل أزمة زرع.
الأخطر من الخطأ هو تطبيعه. أن نعرف أننا نزرع شوكًا، لكننا نعتاد وخزه، ونتعامل معه كجزء من المشهد. ومع الوقت، يصبح الشوك طبيعيًا، ويُنظر إلى العنب كأنه رفاهية أو مطلب مبالغ فيه. بل ويُهاجَم أحيانًا من يحاول تغيير نمط الزراعة، لأنه يهدد توازنًا هشًا اعتاد عليه الجميع.
المشكلة ليست في غياب الطموح، بل في سوء الأدوات. وليست في نقص الرغبة، بل في ضعف الاختيار. فالعنب لا يأتي صدفة، ولا يُنتَج بالشعارات، ولا يُجامل أحدًا. هو حصيلة صبر، وانضباط، ومساءلة، واستعداد لتحمّل تكلفة الجودة منذ البداية، لا التذمر منها في النهاية.
وعندما نتساءل بعد سنوات: لماذا لم نتقدم؟ لماذا ندور في الدائرة ذاتها؟ لماذا تتكرر الإخفاقات بأسماء جديدة؟
فالجواب غالبًا مؤلم في بساطته: لأننا نغيّر الواجهات ولا نغيّر الجذور، نبدّل الخطاب ولا نراجع القرارات، ونرفع سقف التوقعات دون أن نرفع مستوى الزراعة.
الحل لا يبدأ من الحصاد، ولا من التقارير، ولا من المؤتمرات، بل من لحظة الاعتراف الأولى: أن ما نزرعه اليوم، سنقف أمامه غدًا، إما بثمرة نفتخر بها، أو بدهشة لا مبرر لها.
فهل نملك الشجاعة لتغيير ما نزرع، أم سنواصل مطالبة العنب من أرضٍ لم تعرف يومًا سوى الشوك



