
لا تخجل من طلب السماح.. فالحياة أقصر من أن نقضيها في الخصام.
في فجر التاريخ الإسلامي، سُطرت لنا واحدة من أعظم قصص التواضع ونبذ الكبر، حين وقع خلاف بين الصحابيين الجليلين أبو ذر الغفاري وبلال بن رباح رضي الله عنهما. في لحظة غضب، نطق أبو ذر بكلمة جرحت قلب بلال قائلاً: “حتى أنت يا ابن السوداء تخطئني؟!”. ذهب بلال مدهوشاً وحزيناً إلى رسول الله ﷺ ليشكو إليه ما حدث، فما كان من النبي ﷺ إلا أن تغير وجهه غضباً والتفت إلى أبي ذر قائلاً كلمته التي زلزلت كيانه: “يا أبا ذر، أَعَيَّرْتَهُ بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية!”. بكى أبو ذر بكاءً مريراً، وخرج من المسجد مسرعاً، ولم يجد سبيلاً لمداواة ذلك الجرح إلا بأن وضع خده على التراب أمام بلال، وأقسم قائلاً: “والله يا بلال لا أرفع خدي عن التراب حتى تطأه برجلك، أنت الكريم وأنا المهان!”. فما كان من بلال إلا أن بكى وانحنى يقبّل ذلك الخد، وقال: “والله لا أطأ وجهاً سجد لله سجدة واحدة”، ثم قاما وتعانقا بدموع التوبة والمحبة.
إن هذا المشهد العظيم لم يكن مجرد واقعة عابرة، بل كان درساً نبوياً في استئصال جذور الكبر والعنصرية من النفوس. لقد بيّن النبي ﷺ أن “الجاهلية” ليست حقبة زمنية انتهت، بل هي سلوك يظهر حين يرى الإنسان نفسه فوق الآخرين بسبب عرق أو لون أو نسب. وما فعله أبو ذر يعلمنا أن الاعتذار الحقيقي ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل هو انكسار لله وللحق، وجبر لخاطر المظلوم بصدق ومساواة. إن شجاعة الاعتذار هي التي تحفظ نسيج المجتمعات من التمزق، وهي التي تحول الضغينة إلى محبة والفرقة إلى وحدة.
وفي عصرنا الحاضر، نحن أحوج ما نكون لاستلهام هذه الروح العالية في تعاملاتنا اليومية؛ فالاعتذار ثقافة راقية تعكس وعي الإنسان وسمو خلقه، وليست ضعفاً أو إهانة كما يظن البعض. وإننا لنفخر بأن هذه القيم الإسلامية السامية من المساواة، ونبذ التمييز، وترسيخ العدل، هي الركائز الأساسية التي تتبناها حكومتنا بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، الذين يحرصون دائماً على تعزيز قيم التسامح واللحمة الوطنية، وبناء مجتمع يسوده الاحترام المتبادل وكرامة الإنسان فوق كل اعتبار.
ختاماً، يجب أن ندرك أننا جميعاً في هذه الدنيا عابرو سبيل، والزاد فيها قليل. فلا تدع كبرياءك يمنعك من قول “آسف” لمن أخطأت في حقه، ولا تخجل من طلب السماح، فالحياة أقصر من أن نقضيها في الخصام، والقلوب التي تتصافح في الدنيا هي التي تنجو في الآخرة. كن قوياً بالحق، رحيماً بالخلق، ومبادراً بالاعتذار، فمن تواضع لله رفعه.



