
حوار لا يبحث عن العناوين… بل عن معنى الكلمة
لقاء حواري مع الإعلامية غزل فريد بري
إعداد وحوار: الإعلامي هاني الجهني
صحيفة أخباركم
⸻
مقدمة
ليس الهدف من هذا الحوار استعراض مسيرة، ولا إعادة سرد تجربة معروفة، بل محاولة لفهم التحولات التي تصنع الإعلامي حين يقرر أن تكون الكلمة موقفًا، لا مجرد ظهور.
في هذا اللقاء، نقترب من تجربة إعلامية اختارت مناطق غير مريحة، وطرحت أسئلة اعتبرها البعض جريئة، فيما رآها آخرون ضرورة مؤجلة.
الإعلامية غزل فريد بري تمضي في مسار لا يعتمد على الضجيج، بل على القناعة، وعلى إيمان بأن بعض القضايا لا تُعالج بالصمت، وأن الحوار الصادق يبدأ حين نتوقف عن تزيين الإجابات.
⸻
س: بعيدًا عن الألقاب والمسميات… من هي غزل فريد بري اليوم؟
ابنة لرجل عظيم لم يقص جناحيها، بل علّمها كيف تطير، ولامرأة غرست فيها القوة والحنان ومخافة الله.
أنا أمّ لطفلين هما أجمل ما في حياتي. كرّست بداياتي لمهمة الأمومة، وسخّرت نفسي لها، ونجحت فيها ولله الحمد؛ ابنتي اليوم مهندسة معمارية، وابني في سنته الأولى بجامعة الملك سعود، تخصص الأمن السيبراني.
⸻
س: تنقلك بين الاقتصاد، المشاريع الوطنية، ثم الإعلام… متى أدركتِ أن المايكروفون أخطر من الأرقام؟
الإعلام كان نقلة نوعية في حياتي، ليس فقط مهنيًا، بل إنسانيًا وفكريًا.
إحساسي كأم جعلني ألاحظ قضايا لم يُتحدث عنها رغم أهميتها، قضايا لو نوقشت بصدق قد تُحسّن من نفسية الناس وجودة حياتهم.
حين رأيت كيف انقلبت المفاهيم، وكيف أصبح الصحيح يُصوَّر خطأ، أدركت أن الصمت لم يعد خيارًا، فقررت أن أخرج وأتحدث وأتحاور مع مختصين، وأنا مؤمنة أن كل كلمة أقولها سأُحاسب عليها في الدنيا والآخرة.
⸻
س: دخولك للقناة الإخبارية كان بالصدفة، لكن الاستمرار لم يكن صدفة… ما الذي صنع حضورك في البث المباشر؟
من أجمل وأصعب لحظات حياتي كانت أمام كاميرا اللايف.
إحساس جميل ومرعب في الوقت نفسه، لأن الكلمة والحركة وتعابير الوجه تُرى في اللحظة نفسها، والخطأ محسوب مهما كان.
تعلمت التحكم بالنفس، وفلترة كل كلمة، ودراسة السكربت بعمق. سكربتي لم يكن محفوظًا، بل كشكول ملاحظات، لأن الهواء دائمًا مليء بالمفاجآت.
⸻
س: ما أكثر لحظة شعرتِ فيها أن الكاميرا اخترقتك إنسانيًا قبل أن تختبرك مهنيًا؟
مرات كثيرة لم أستطع تمالك نفسي وبكيت على الهواء، خصوصًا في أول موسم لي مع سيدتي.
أتذكر موقفًا لا أنساه حين كانت إحدى الضيفات صديقة قديمة، وعندما سمعت صوتها عرفت أنها أُصيبت بسرطان الثدي ونجت منه. انهرت وقتها على الهواء، وتكررت مواقف مشابهة حتى أطلقوا عليّ في الكنترول لقب “أم دميعة”.
⸻
س: كنتِ أول سعودية محجبة تظهر على شاشة روتانا خليجية… هل كان ذلك عبئًا أم انتصارًا للهوية؟
نعم، كنت أول سعودية محجبة تظهر على روتانا خليجية، وكنت فخورة بذلك جدًا.
لم أشعر يومًا أن حجابي كان عبئًا؛ الحجاب على رأسي وشعري، لكنه لم يكن يومًا على عقلي أو أفكاري.
كنت حريصة أن أكون مثالًا مشرّفًا للمرأة السعودية شكلًا ومضمونًا.
⸻
س: لماذا كان التوجّه إلى البودكاست؟
غزل بري:
البودكاست كان المكان الأمثل لي؛ من حيث مواضيعي، وحريتي في الأسئلة والمحاور.
النقاش مع الضيف منحني ومنح ضيوفي مساحة ووقتًا أكبر لطرح القضايا بعمق وراحة.
في التلفزيون كنا محكومين بوقت ومواضيع معينة، أما البودكاست فهو عالمي الخاص… وبصراحة أقرب لي.
⸻
س: في بودكاست غزل طُرحت قضايا حساسة ووصفت بالجريئة… هل الجرأة خيار مهني أم ثمن تدفعينه؟
اخترت أن أكون صوت المرأة في قضاياها الصحية، والنفسية، والاجتماعية، والعملية.
وأنا لا أتكلم من تلقاء نفسي، بل أستضيف مختصين ذوي ثقل ومصداقية، لأن الهدف وعي حقيقي لا جدل.
دفعت ثمنًا كبيرًا؛ توقفت حساباتي، تعرضت للاختراق، وانتحال الشخصية، وواجهت اتهامات وشتمًا وأحيانًا قذفًا، لكن هذا زادني إصرارًا على الاستمرار.
⸻
س: كيف تردّين على من ينتقد استضافة رجال في قضايا نسائية؟
للأسف، لا يزال بعض الأشخاص يستغربون كيف تجلس امرأة مقابل رجل وتناقشه في قضايا تخص المرأة، مع أن هذا الرجل طبيب وتجلس عنده مئات النساء في عيادته بكل خصوصية.
ما فعلته هو نقل أسئلة النساء إلى الكاميرا، خصوصًا من يخجلن من الذهاب للطبيب، فذهبت أنا وسألت نيابةً عنهن.
الاستشارة الطبية تُقاس بالعلم والخبرة لا بالجنس.
⸻
س: هل شعرتِ يومًا أن الصمت كان سيحميك أكثر؟
على العكس، الصمت لم يكن خيارًا.
أنا أؤمن أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، واخترت أن أكون هذا اللسان، لكن بأسلوب يحترم العادات والتقاليد حتى تصل الرسالة دون نفور.
س: توقيف حساباتك ومحاربتك بسبب بعض الطروحات… هل مرّت عليكِ لحظة شك، أم كانت لحظة تأكيد؟
للأسف، لا يزال بعض الأشخاص يستغربون كيف تجلس امرأة مقابل رجل وتستضيفه للحديث في قضايا حساسة تخص المرأة، مع أن هذا الرجل طبيب، وتجلس عنده كثير من السيدات في عيادته ويتحدثن معه بخصوصية تامة.
ما فعلته هو الأمر ذاته، لكنني نقلت أسئلة النساء إلى الكاميرا وقدّمتها في حلقة بودكاست. فهناك سيدات يخجلن من زيارة الأطباء بسبب ما يُسمّى «العيب»، فذهبت أنا نيابةً عنهن وسألت.
ولا أستوعب إلى اليوم أن يُختزل النقاش في كون المتحدث امرأة أو رجل، بينما القضايا النسائية نعرفها نحن، والاستشارة الطبية تُقاس بالعلم والخبرة لا بالجنس.
حدّثوا العقل بما يعقل.
⸻
س: هل تعتقدين أن بعض القضايا التي طرحتها كانت ستُستقبل بشكل أسهل لو قُدّمت من رجل لا من امرأة؟ ولماذا لا يزال الصوت النسائي يُحاسَب بمعايير مضاعفة؟
على العكس تمامًا، كانت جميع مواضيعي تُطرح في وقتها ومكانها المناسب.
وعندما تحدثت عن الشذوذ الجنسي والتحرش بالأطفال، كان ذلك في ذروة الأجندات الموجّهة للعالم العربي، والتي تسعى لفرض القبول والتطبيع مع هذه القضايا تحت مسمّى التعايش.
حينها كان موقفي واضحًا وصريحًا: لا… وألف لا.
⸻
س: اهتمامك بقضايا الطفل والتحرش تحديدًا… هل هو دافع أمومة أم خوفك من صمت المجتمع؟
الدافع في كل ذلك كان إحساسي كأم تخاف على أطفالها في زمن لم أعد فيه وحدي من أربي أبنائي؛ بل أصبح العالم بأفكاره وتأثيره شريكًا في هذه التربية.
ولله الحمد، مجتمعنا في السعودية مجتمع واعٍ، يميّز بين الصح والخطأ، والدليل على ذلك كثرة الأصوات التي تقول لي: كمّلي ولا تتوقفي.
⸻
س: هل تعتقدين أن بعض القضايا تُحارَب ليس لأنها خاطئة، بل لأنها تضع اليد على الجرح؟
صحيح أن بعض الأشخاص يدركون أن ما يحدث خطأ، لكن لسان حالهم يقول: «وما شأني؟ لسنا نحن من سيُصلح الكون».
وأنا أؤمن أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأن من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
وأنا اخترت أن أكون هذا اللسان.
⸻
س: برأيك، هل كل ما يُقال باسم التوعية يجب أن يُقال على الملأ؟ وأين تقف حدود المسؤولية؟
التوعية لا تكون مجدية إلا حين تُطرح على الملأ وبوضوح، لكن الأهم من ذلك هو الطريقة والأسلوب.
فبعض فئات المجتمع لا تتقبّل النصيحة المباشرة، وقد تنفر منها إن قُدّمت بحدّة أو مواجهة.
لذلك، أؤمن بأن إيصال الرسالة يجب أن يكون بأسلوب ذكي ومتزن، يراعي العادات والتقاليد وطبيعة الأفكار، حتى تصل التوعية دون نفور وتحقق أثرها الحقيقي.
⸻
س: بين التلفزيون والبودكاست… أين تجد غزل نفسها أكثر صدقًا؟
أجد نفسي في الاثنين معًا؛ أحب الكاميرا وأحب اللايف، وأحب اللقاء اليومي مع أشخاص جدد ومواضيع وأحداث أناقشها وأتحدث عنها.
وفي الوقت نفسه، يبقى البودكاست مساحتي الخاصة وعالمي الأوسع، حيث آخذ راحتي أنا وضيوفي في الحديث والحوار دون ضغط الوقت أو الخوف من طبيعة الموضوع.
وبصراحة… البودكاست أقرب لي.
⸻
س: بعد كل هذه التجربة، ما الذي تغيّر فيكِ كإنسانة قبل أن يتغيّر كإعلامية؟
تعلّمت أن أكون أكثر إنصاتًا، وأن أفهم الناس من نظرة أعينهم.
الإعلام جعلني أنضج أسرع، وعلّمني تحمّل مسؤولية الكلمة؛ لأنها قد تداوي وقد تجرح، وهذا ما جعلني أكثر حذرًا وإنسانية في حياتي قبل مهنتي.
⸻
س: أخيرًا… ما الكلمة التي لو لم تقوليها اليوم، ستلومين نفسك غدًا؟
الحقيقة التي نؤجلها خوفًا من الخسارة، يكون الصمت عنها هو الخسارة الحقيقية.
وأنا كإعلامية معرضة للخطأ، لكن شجاعتي تكمن في الاعتراف به وتصحيح المسار علنًا، وأن أقول ما أؤمن به، لا ما يريده الناس.
فالسكوت المريح اليوم، وجعه أكبر غدًا.
⸻
الخاتمة
هذا الحوار لا يقدّم إجابات جاهزة، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة، لكنه يفتح نافذة على تجربة إعلامية دفعت كلفة الكلمة، واختارت المواجهة بدل التجاهل.
ويبقى السؤال الأهم مفتوحًا:
هل نريد إعلامًا يريحنا… أم إعلامًا يوقظنا؟



