مقالات

احتفظ بخطواتك لنفسك … حتى تتحول إلى إنجاز . بقلم الكاتب حمد حسن التميمي

في زمن يلهث فيه الجميع خلف الأضواء، ويُقاس فيه الوجود بعدد الإعجابات والمشاهدات، قد يبدو الصمت خياراً غريباً. لكن الحقيقة أن بعض الخطوات لا تنجح إلا إذا نبتت في الظل، بعيداً عن العيون، بعيداً عن الضجيج. فليس كل ما يُقال يتحقق، وليس كل ما يُعلن يُنجز.
قد تظن أن إعلان أهدافك للآخرين يمنحك دفعة معنوية، أو يربطك بالتزام علني يحفزك على الاستمرار. لكن تشير بعض الدراسات النفسية إلى أن مشاركة الأهداف قبل تنفيذها قد تُضعف الدافع الداخلي، وتمنحك شعوراً زائفاً بالإنجاز. حين تخبر صديقك بأنك تنوي دراسة القانون، على سبيل المثال، فإن مجرد البوح بهذا الهدف قد يجعلك تشعر وكأنك قطعت نصف الطريق لمجرد أنك نطقت به. هذا الشعور قد يُقلل من اندفاعك الحقيقي نحو العمل، بل ويجعلك أكثر عرضة للإحباط أو السخرية إن لم تصل إلى ما وعدت به.
الأمر لا يتوقف عند الأهداف الشخصية. تخيل أنك مطور طموح، خطرت لك فكرة تطبيق مبتكر، وشاركتها بحماسة مع أصدقائك. بعد عام من العمل المضني، تكتشف أن أحدهم سبقك إلى السوق… بنفس فكرتك. لم يسرقها من ملفاتك، بل من كلماتك. من تلك اللحظة التي ظننت فيها أن الحديث لا يضر. لكن بعض الأفكار لا تحتمل الضوء قبل أوانها.
وحتى في تفاصيل حياتك اليومية، قد يكون الصمت درعك الأقوى. أحياناً يكفي أن تلمح بدل أن تُفصح، وأن تعمل بصمت بدل أن تعلن كل خطوة. فبعض الخطط إن خرجت للعلن مبكراً عرضتك لتوقعات الآخرين، ولتأويلات لا تنتهي، وربما لضغوط أو عرقلة لا تحتاجها الآن. التحفظ هنا ليس تلاعباً، بل احترام لنفسك ولمساحة خصوصيتك، وحرص على أن تنضج قراراتك بعيداً عن الضجيج.
فما الحل؟ كيف تكبح تلك الرغبة الملحة في مشاركة كل جديد؟ أحد الأساليب الذكية هو أن تتحول من متحدث دائم إلى مستمع جيد. الأشخاص الذين يتكلمون كثيراً عن أنفسهم، غالباً ما يُفشون أسرارهم دون قصد. أما من يُتقن فن الإصغاء، فيمنح الآخرين المساحة للحديث، ويمنح نفسه فرصة لحماية ما لم يحن وقته بعد.
وإذا وُضعت في موقف محرج، وسُئلت عن خططك أو تحركاتك القادمة، فليس عليك أن تجيب. يمكنك أن ترد باقتضاب، أو تغير مسار الحديث بلطف: “دعك مني الآن، أخبرني عنك”. ليس تهرباً، بل حكمة. فليس كل سؤال يستحق إجابة، وليس كل من يسأل يستحق أن يعرف.
عدم إعلان تحركاتك لا يعني أنك تخفي شيئاً سيئاً، بل يعني أنك تحترم نضج الفكرة، وتمنحها الوقت الكافي لتنمو بعيداً عن التطفل والتشويش. هو أسلوب حياة يحميك من النقد المبكر، ومن المنافسة غير المتوقعة، ومن خيبات الأمل التي قد تأتي فقط لأنك استعجلت البوح.
وفي المستقبل، ستزداد قيمة الصمت. في عالم تتسارع فيه الأخبار، وتُراقب فيه كل حركة، سيصبح التكتم مهارة نادرة. القادة الحقيقيون، والمبدعون الكبار، هم أولئك الذين يتقنون فن التوقيت: يعرفون متى يتكلمون، ومتى يصمتون، ومتى يتركون إنجازاتهم تتحدث عنهم.
فاحلم بصمت، وخطط بصمت، وتحرك بصمت. القرار أن تحمي خطواتك لا أن تزينها بالكلمات. القرار أن تزرع في الخفاء، وتحصد في العلن. القرار لك… فهل تختار أن تصمت حتى يعلو صوت نجاحك؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى