
“الخطر الثلاثي ” ..بقلم الكاتب علي بن مفرح أحمد الربعي
أخذ نسبة من المنح… تهديد للأمانة الفقهية والاستدامة النظامية للجهات الخيرية
يُشكل التمويل، خاصة عبر المنح، حجر الزاوية الذي يقوم عليه العمل الخيري. إلا أن ممارسة اقتطاع نسبة مئوية من هذه المنح، تحت مسمى التكاليف الإدارية أو التشغيلية غير المباشرة، تطرح إشكاليات عميقة لا تقتصر على الجانب المالي والإداري فحسب، بل تمتد لتلامس البُعد الفقهي والنظامي، مهددة بذلك فعالية القطاع غير الربحي وثقة المجتمع به.
إن الخطر المتمثل في هذه الممارسة هو خطر مركب يرتكز على ثلاثة أبعاد أساسية: فقهي، ونظامي، وإداري/اقتصادي.
أولاً: الخطر الفقهي – مخالفة شرط الواقف والأمانة
المال المخصص للعمل الخيري هو مال مُقيَّد المصرف؛ فهو أمانة وُضعت لتصرف في وجه محدد (شرط الواقف أو المتبرع). تكييف المصاريف الإدارية في الفقه الإسلامي ينطلق من مبدأ “التكلفة الفعلية”:
1. مبدأ التكلفة الفعلية: يرى جمهور الفقهاء في القواعد العامة للمعاملات المالية (ومنها التمويل والوكالة) أن الرسوم الإدارية أو الأتعاب المأخوذة يجب أن تقابل تكلفة فعلية ومجهوداً حقيقياً لإنجاز العمل، ولا يجوز أن تكون مجرد نسبة مئوية تُقتطع دون تبرير فعلي للخدمة أو تفصيل للتكاليف.
2. مخالفة شرط المتبرع: إذا كانت النسبة المقتطعة تتجاوز المعقول أو المعتاد، فإنها تُعد اعتداءً على شرط الواقف/المتبرع الذي قصد بماله الوصول المباشر إلى المستفيدين. فكأنها تحويل لجزء من التبرع من قناة “المصروف المباشر” إلى “المصروف الإداري” دون موافقة صريحة، مما يثير الشبهة حول تحقيق الغرض الشرعي من التبرع أو الوقف.
3. قرار اللجنة الدائمة للإفتاء (استدلال): بالرغم من أن الفتاوى الرئيسية تتعلق بالبنوك والتمويل، إلا أن المبدأ المستفاد هو: “جواز أخذ الرسوم الإدارية إذا كانت في مقابل نفقات فعلية لعملية التمويل أو الخدمة”. وهذا يفرض على الجهة الخيرية أن تكون النسبة المقتطعة دليلاً موثقاً على نفقات تشغيلية ضرورية لإنجاح البرنامج نفسه (رواتب فريق المشروع، إيجار المركز،… إلخ).
ثانياً: الخطر النظامي والتشريعي – تحدي الرقابة والشفافية
في البيئة النظامية الحديثة، لاسيما في المملكة العربية السعودية تحت مظلة المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي (NCNP)، توضع ضوابط صارمة للإنفاق الإداري لضمان كفاءة التبرعات.
1. ضوابط الأنظمة: تنص اللوائح المنظمة لعمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية على ضرورة الشفافية في المصروفات. وبالرغم من أن الأنظمة قد تُقر بضرورة تغطية المصروفات التشغيلية (كالتي يغطيها “منح دعم مصروفات تشغيلية” من المركز)، فإنها تفرض سقفاً لهذه المصروفات (وغالباً ما يُحدد السقف المسموح به إما بنسبة موحدة من إجمالي الإيرادات أو وفقاً لتقديرات كل منحة)، وتجاوز هذا السقف يُعد مخالفة نظامية تهدد بترخيص الجمعية.
2. أهمية المادة (14) وما في حكمها: تُلزم هذه المواد الجهات بالاحتفاظ بسجلات مالية واضحة ومراجعة من مدققين خارجيين، حيث يظهر بوضوح نسبة الإنفاق الإداري مقابل الإنفاق البرامجي. ويُعتبر ارتفاع هذه النسبة فوق المعايير المعتمدة مؤشراً على ضعف الكفاءة التشغيلية أو سوء إدارة التمويل.
ثالثاً: الخطر الإداري والاقتصادي – إضعاف الأثر وتشويه الحوافز
إن الإفراط في أخذ النسبة الإدارية يترتب عليه نتائج سلبية مباشرة على الكفاءة والاستدامة:
1. تضاؤل الأثر: كلما زادت النسبة المقتطعة إدارياً، قلّ المبلغ المخصص للعمل المباشر (Programmatic Spending)، مما يعني تقليل عدد المستفيدين أو جودة الخدمة المقدمة، ويهدد بالتالي الهدف الاستراتيجي للمنظمة.
2. تشويه الحوافز: قد تتجه المؤسسات إلى السعي خلف المنح التي تسمح بنسب إدارية مرتفعة، حتى لو كانت هذه المشاريع أقل أولوية، فقط لتمويل عجزها التشغيلي. وهذا يُحوّل تركيزها من خدمة المجتمع إلى “البقاء الذاتي”، وهو ما يتعارض مع روح العمل الخيري.
3. اهتزاز ثقة المانحين: تعتبر نسبة المصاريف الإدارية مؤشراً حاسماً لدى المؤسسات المانحة والأفراد لتقييم كفاءة المؤسسة. وكلما ارتفعت، تراجعت الثقة وحجم التبرعات المستقبلية.
خاتمة وتوصيات
لضمان سلامة العمل الخيري فقهياً ونظامياً، يجب على الجهات الخيرية الالتزام بالمبادئ التالية:
• الشفافية التامة: إظهار تفاصيل المصروفات الإدارية بدقة وتوثيقها ببيانات مالية مدققة.
• تحديد نسبة معقولة: الالتزام بالسقف النظامي الذي يحدده المركز الوطني للقطاع غير الربحي (والذي يدور عادة في إطار 20% كحد أقصى للإنفاق الإداري العام ما لم تبرر ضرورة أكبر).
• الالتزام بمبدأ التكلفة الفعلية: التأكد من أن النسبة المقتطعة تُغطي تكاليف فعلية وضرورية لعملية إنجاح المشروع الممول.
المراجع والبيانات المعتمدة
1. المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي (NCNP): الأنظمة واللوائح الخاصة بالمصروفات التشغيلية للجمعيات والمؤسسات الأهلية (موقع المركز).
2. الأنظمة الفقهية العامة: مبدأ التكلفة الفعلية في فتاوى لجان الإفتاء المتعلقة بالرسوم الإدارية على المعاملات المالية (قياساً على شرط الواقف والمتبرع).
3. دراسات القطاع: التقارير السنوية التي تصدر عن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي حول مؤشرات الأداء والكفاءة في القطاع.
علي بن مفرح أحمد الربعي
طالب ماجستير في الإدارة التنفيذية في الأوقاف والمنظمات الغير ربحية



