مقالات

اللغة العربية.. يومٌ للّغة أم وطنٌ يسكن الحروف بقلم الكاتبة الاعلامية أمل المعلوي

في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، تتجه أنظار العالم نحو لغةٍ ليست مجرد نظام صوتي أو كلمات تتجاور في نصوص؛ بل نحو كيانٍ نبيلٍ حيّ، يحمل تاريخًا وحضارةً ويختزن ذاكرة أمة ممتدة عبر قرون. إنه اليوم العالمي للغة العربية، الاحتفاء الذي يوقظ في النفوس سؤال الهوية والانتماء، ويرفع من شأن الحروف التي نسّجت تأريخًا فكريًا وثقافيًا فريدًا.

ورغم أن اللغات جميعها أوعية معرفة، فإن العربية تتميز بعمق غير قابل للنفاد. كيف للغة أن تحتمل آلاف المفردات للدلالة على الرمل والإبل والمطر والحب؟ وكيف يمكن لحرفٍ بسيط، كشكل النقطة، أن يغير المعنى جذريًا؟ تلك هي العربية، لغة الدقة والمرونة والجمال.

في هذا اليوم، لا تحتفل المؤسسات فقط، بل تحتفل القلوب قبل المنابر، ويدرك أبناء العربية – حتى أولئك الذين يجهلون ثراءها – أن هذه اللغة ليست ملكًا للمتخصصين أو الشعراء؛ بل هي انتماء يومي يجري مع نبض الحياة، نتحدثه في بيوتنا ونشكّل به أفكارنا ونتشارك به مشاعرنا.

غير أن الاحتفال الحقيقي لا يكمن في كلمات تلقى أو شعارات تتردد، بل في إعادة إحياء حضور العربية في عقول الناشئة ووسائط العصر. فكيف نحفظ لغةً لا نستخدمها إلا رسميًا؟ وكيف نخدم تراثًا نحصره في الماضي؟ إن مسؤولية الأفراد تبدأ من الاعتزاز بحرف الضاد في أبسط تفاصيل الحياة: قراءة، كتابة، إنتاج محتوى عربي رقمي، ودعم مبادرات التعريب والبحث والتعليم.

لقد أُنشئت الأمم المتحدة هذا اليوم اعترافًا بدور العربية في بناء الحضارة الإنسانية، فبها دوّنت العلوم والآداب في أزهى عصور المعرفة، ومنها انتقلت المصطلحات إلى اللغات الأخرى. واليوم، تعود أهمية اللغة العربية لتثبت حضورها في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ يتسابق الباحثون لتطوير نماذج اتصال تفهم اللغة وتنتجها بدقة.

إن احتفالنا بيوم العربية ليس مجرد ذكرى سنوية، بل تجديد عهدٍ مع لغة تسكننا قبل أن نسكنها. هي ليست فقط وسيلة للتواصل، بل مدرسة فكرية وروحية تشكل وعينا ووعاء قيمنا.

فلنحتفِ بالعربية كل يوم، ولنجعل من هذا اليوم نقطة انطلاق لمستقبل حافل، تتقدم فيه اللغة نحو العالمية بثقة، وتستعيد حضورها في العقول والعلوم والثقافة والتقنية، تماما كما كانت لغة الريادة في الماضي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى