مقالات

المنح … مالُ الله بين الأمانة الشرعية والمسؤولية النظامية بقلم الكاتب الحسن الهلالي

تُعد المنح إحدى أهم أدوات العمل الخيري والتنموي في المجتمعات، وقد بذلت الدولة – رعاها الله – والمؤسسات المانحة جهودًا كبيرة ومقدّرة في تنظيم هذا القطاع، من خلال سنّ الأنظمة، وتعزيز الحوكمة، وتمكين الجهات الخيرية من أداء دورها بكفاءة وشفافية. وأسهمت هذه الجهود في رفع مستوى الانضباط المالي، وحماية أموال التبرعات، وتعظيم الأثر الاجتماعي للمنح.

غير أن نجاح المنح لا يتحقق بكثرتها فحسب، بل بالفهم الصحيح لطبيعتها وأصلها؛ فالمال في الإسلام هو مالُ الله، والإنسان مستخلف فيه.
ويؤسس هذا المبدأ لمنهج متوازن في إدارة المنح، يقوم على العدل، ويمنع التفضل أو الاستعلاء، ويضبط العلاقة بين المانح والمستفيد.

وانطلاقًا من هذا الأصل، فإن المانح – فردًا كان أو مؤسسة – لا يتصرف في المنح تصرف المالك المطلق، بل تصرف المؤتمن، ملتزمًا بمعايير الاستحقاق والمصلحة العامة، وهو ما ينسجم مع متطلبات الحوكمة الحديثة في مؤسسات المنح.

وفي المقابل، فإن المستفيد شريك في الأمانة، مطالب بحسن التصرف في المنحة، وعدم صرفها في غير ما خُصصت له، واستشعار نعمة الله عليه، فإساءة استخدام المنح لا تُعد مخالفة إدارية فحسب، بل تقصيرًا شرعيًا وأخلاقيًا يضعف أثر العمل الخيري.

وقد جاءت الأنظمة في المملكة العربية السعودية متوافقة مع هذه المبادئ، حيث أكدت على الشفافية، والمساءلة، وحصر الصرف في الأغراض المعتمدة، سواء في نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية أو نظام الأوقاف، مما يعكس تكاملًا واضحًا بين المرجعية الشرعية والإطار النظامي.

وخلاصة القول: إن شكر الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة والمؤسسات المانحة واجب، فهي تمثل ركيزة أساسية في دعم التنمية وتعزيز التكافل الاجتماعي، غير أن تعظيم الأثر يتطلب ترسيخ القناعة بأن المنح مالُ الله، تُدار بمنطق الاستخلاف والأمانة، ويُسأل عنها المانح والمستفيد معًا. وحين يتحقق هذا الوعي، تتحول المنح من مجرد دعم مالي إلى أداة بناء وتمكين تحقق الاستدامة وتخدم الإنسان والمجتمع على المدى البعيد.

الحسن الهلالي
برنامج الماجستير التنفيذي في إدارة الأوقاف والمنظمات غير الربحية بجامعة الباحة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى