
“عمق العلاقات ….. هو ميزان السعادة” … بقلم الإعلامي عبدالله بنجابي
في عصرنا الحالي، حيث تتضخم قوائم الأصدقاء والمتابعين على منصات التواصل، قد يقع الكثيرون في وهم أن كثرة المعارف هي مقياس النجاح الاجتماعي أو مصدر السعادة. ولكن الحقيقة التي تلامس الروح وتؤكدها التجارب الإنسانية هي أن: “السعادة الحقيقية ليست في كثرة المعارف، بل في عمق العلاقات القائمة على الخير والصدق”. فالسعادة ليست سلعة سطحية تُباع بكثرة الأرقام، بل هي ثمرة لجذور عميقة من التواصل الإنساني الأصيل.
علينا أن نفرّق بوضوح بين مفهومين أساسيين. الأول هو المعارف الكثيرة (الكم)، وهم أشخاص نعرفهم بحكم العمل، أو الدراسة، أو اللقاءات العابرة. وجودهم مفيد في جوانب الحياة العملية والاجتماعية العامة، لكن علاقتنا بهم تظل على مستوى السطح، حيث لا تتجاوز التحية والابتسامة ومشاركة الأخبار العامة. لا يُعتمد عليهم في الشدائد، ولا يُفضي إليهم بأسرار القلب. أما المفهوم الثاني، فهو العلاقات العميقة (الكيف): وهي تلك الروابط الوثيقة القائمة على جوهرين أساسيين هما الخير والصدق. إنها دائرة ضيقة من الأصدقاء والأهل الذين يشاركونك آلامك قبل أفراحك، والذين تجد لديهم الأمان النفسي اللازم للبوح والمكاشفة. إن السعادة تكمن في الكيف؛ لأن الأزمات لا تُواجه بحشود من المعارف، بل بدعم صادق من روح واحدة أو روحين مخلصتين.
لماذا يُعدّ الخير والصدق هما المقياس؟ العلاقة القائمة على الخير هي علاقة تنطلق من النية الطيبة وتتجه نحو المصلحة المتبادلة الخالية من الحسد أو الاستغلال. الصديق الخيّر يتمنى لك النجاح ويدفعك إليه، ويفرح بإنجازاتك فرحاً صادقاً وكأنه إنجازه. هذا الشعور بالأمان من الغدر أو السوء هو أساس الاستقرار العاطفي الذي يجلب السعادة. أما الصدق، فهو العمود الفقري الذي يحمل بنيان العلاقة. يعني الصدق أن العلاقة مبنية على الوضوح والشفافية وعدم التكلّف. ففي هذه العلاقات، لا تحتاج إلى ارتداء الأقنعة، ويمكنك أن تكون على طبيعتك دون خوف من الحكم أو النبذ. هذا التقبّل الكامل هو ما يخلق شعوراً عميقاً بالانتماء والأمان، وهما مصدران عظيمان للسعادة.
إن الاستثمار في عمق العلاقات بدلاً من كثرتها يمنحنا راحة نفسية حقيقية. فبدلاً من إضاعة الجهد والوقت في إرضاء عدد كبير من المعارف السطحيين، نوجه طاقتنا لتقوية الروابط مع الأوفياء. هذا التركيز يثمر دعمًا نفسيًّا دائمًا بوجود من يفهمك دون أن تتكلم، ويقف بجانبك دون أن تطلب. كما يثمر شعورًا عميقًا بالرضا، لأنك تعلم أن الدائرة المحيطة بك هي دائرة نقية ومُختارة بعناية. والأهم من ذلك، يثمر علاقات تدوم، لأنها بُنيت على أساس صلب لا يتآكل بمرور الزمن.
وفي الختام: ليست العبرة بعدد الأسماء في سجل الهاتف، بل بعدد القلوب التي تضمك في ضيقك. ابحث عن العمق، واستثمر في الخير والصدق، عندها فقط ستجد السعادة الحقيقية تتجلى في وجوه من حولك.



