مقالات

​تحدي الجمعيات ومتطلبات المرحلة القادمة من الشفافية والحوكمة بقلم العلامي عبدالله بنجابي

​شهدت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة تحولات جذرية في مختلف القطاعات، وكان لملف العمل الخيري والجمعيات الأهلية نصيبه من هذه التغييرات، خاصة فيما يتعلق بمتطلبات الشفافية والحوكمة. وقد سلط الضوء على هذا الملف مؤخراً ما ورد على لسان معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، في مقطع متداول، مما وضع “تحدي الجمعيات” في صميم النقاش العام.
​نوه معالي الوزير في المقطع المتداول إلى ملاحظات جوهرية تدعو للقلق بشأن كفاءة وأداء بعض الجمعيات، خاصة تلك التي تعنى بالتبرعات والإنفاق على المشاريع الخيرية كبناء المساجد ورعاية المحتاجين. وقد أشار إلى ضعف الأثر المباشر للصدقات والزكاة، متسائلاً عن سبب عدم اغتناء الفقير رغم ضخ مبالغ طائلة (بالآلاف أو المليارات) من المحسنين للجمعيات، مشيراً إلى أن الأموال قد “تُضيّع” أو “تُهدر” بدلاً من أن تصل لمستحقيها بشكل كامل ومباشر. كما أشار إلى تأخر إنجاز مشاريع مثل بناء المساجد لسنوات طويلة (قد تصل إلى عشر سنوات) رغم وجود لوحات تشير إلى التبرعات، مما يثير الشكوك حول آلية صرف الأموال وإدارة المشاريع، والتلميح إلى وجود من “يضحكون على الناس” ويدّعون الإصلاح والولاية على هذه الأموال دون وجه حق أو كفاءة. مؤكداً على الحاجة الملحة لضبط هذه الجمعيات بصورة عاجلة وضمان توجيه الأموال إلى المستحقين من أبناء الوطن في وجهها الشرعي الصحيح، لضمان عدم بقاء فقير في البلد.
​إن رؤية 2030 تولي أهمية قصوى للقطاع غير الربحي كشريك فاعل في التنمية. ولتحقيق هذه الشراكة، يجب أن تكون الشفافية المطلقة والحوكمة الصارمة هما المعيار الأساسي للعمل. الشفافية تعني أن تصبح جميع معاملات الجمعيات، من استقبال التبرعات إلى صرفها على المشاريع والمستفيدين، واضحة وموثقة ومتاحة للمحسنين والجهات الرقابية، وهي الضمان لاستعادة ثقة المتبرعين التي تُعد رأس مال العمل الخيري الحقيقي. أما الحوكمة، فهي وضع أنظمة وضوابط تضمن أن يتم اتخاذ القرارات بمسؤولية ونزاهة، وتحقيق أقصى استفادة من كل ريال يتم التبرع به، وتحديد آليات الرقابة الداخلية والخارجية لمنع الهدر أو سوء الإدارة. ولا يكفي صرف الأموال، بل يجب قياس الأثر التنموي والاجتماعي الحقيقي للجمعيات، وهذا ما يعكس كفاءتها ويبرر استمرارها.
​المرحلة القادمة تتطلب تضافر جهود الجميع لمواجهة التحديات التي أشار إليها الوزير. فدور الحكومة يتمثل في تشديد الرقابة، وتطبيق معايير حوكمة موحدة إجبارية على جميع الجمعيات، وتسهيل الإجراءات للجهات الملتزمة، وتوقيع أقصى العقوبات على المتجاوزين والمستغلين للعمل الخيري. أما مسؤولية المجتمع (المحسنين)، فتتطلب ممارسة الحرص الذكي في اختيار الجمعية التي يتبرع لها، والسؤال عن تقاريرها المالية ومشاريعها المنجزة، والمطالبة بالشفافية كحق. ويقع على عاتق الجمعيات الجادة “تحدي الجمعيات” بتبني أعلى معايير الشفافية والحوكمة طواعيةً، وأن تثبت أنها قنوات فعالة وفعالة لإيصال الإحسان إلى مستحقيه بأسرع الطرق وأقل التكاليف.
​إن توجيهات معالي الوزير ليست مجرد نقد، بل هي دعوة إلى الإصلاح الجذري لضمان أن تبقى السعودية نموذجاً في العطاء والكفاءة، حيث يجب ألا يُهدر خيرٌ ولا يُظلم مستحق.
​وفي الختام، نرفع أسمى آيات الشكر والتقدير إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله، على حرصهم ومتابعتهما المستمرة لملف العمل الخيري، وتوفيرهم للبيئة التشريعية والرقابية التي تضمن وصول الخير إلى مستحقيه. هذا الاهتمام هو امتداد لنهج الدولة الثابت في رعاية شعبها والمساهمة في تنمية القطاع غير الربحي ليكون شريكاً فاعلاً في تحقيق مستهدفات الرؤية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى