
سر استمرار العلاقات في فن التنازل ! بقلم الإعلامي عبدالله بنجابي
من منا لم يحلم بـ “توأم الروح”؟ ذلك الشخص الذي يقرأ أفكارنا، يتطابق مع ميولنا، ويكملنا دون أي جهد. لقد رسخت الأفلام والقصص هذه الأسطورة: أن الحب الحقيقي هو التطابق التام. لكن المقولة الحكيمة تقول: “لا يوجد شخص يلائمك تمامًا، يوجد شخص يتنازل من أجلك وتتنازل من أجله، لأنكما ترغبان بالبقاء معًا.” هذه الكلمات تختصر سنوات من الخبرة. إنها تضعنا أمام الحقيقة: البحث عن التطابق الكامل هو وهم، وجمال العلاقة يكمن في إتقان فن التنازل المشترك.
دعنا نواجه الأمر: التطابق التام مستحيل. أنت كائن فريد ومعقد، ورغباتك ومشاعرك في تغير مستمر. فكيف يمكن لشخص آخر أن يطابق هذا الكيان المتغير؟ إذا كنت تبحث عن شخص يوافقك على كل قرار ويشاركك كل اهتمام، فأنت لا تبحث عن شريك حياة، بل عن نسخة منك. والعلاقات التي تنقصها الجدلية الصحية سرعان ما تصاب بالجمود والملل. الاختلاف ليس مشكلة، بل هو التحدي الذي ينمّي العلاقة ويثريها ويجعلها حية.
البعض ينظر إلى كلمة “التنازل” بخوف، ويعتبرها خسارة أو تضحية مؤلمة. وهذا فهم خاطئ. التنازل في الحب هو قرار ناضج وواعٍ بأنك تقدر قيمة العلاقة واستقرارها أكثر من تمسكك برغبة شخصية صغيرة. هو استثمار متبادل، جسر نبنيه معاً: أنت تتخلى عن طريقة معينة في الحياة (كالسهر أو الفوضى)، وهو يتخلى عن طريقة أخرى (كالتخطيط المفرط أو الروتين)، وكل منكما يفعل ذلك ليس إرضاءً للآخر بقدر ما هو حفاظ على بيت مشترك. هو فن لترتيب الأولويات، حيث نتعلم التغاضي عن الفروع (اختلاف الأذواق) للحفاظ على الأصول الجوهرية (كالثقة والاحترام). التنازل هنا يمنحك قوة لأنه يثبت أنك ناضج بما يكفي لوضع “نحن” قبل “أنا”.
لماذا يقوم الشريكان بكل هذا التنازل؟ الجواب في الجزء الأخير من المقولة: “لأنكما ترغبان بالبقاء معاً.” هذه الرغبة هي الوقود. إنها الدافع الذي يجعل التنازل يبدو هيّناً ومحتملاً. إذا كانت رغبتك في الحفاظ على هذا الشخص في حياتك قوية وصادقة، فإن تغيير بعض العادات أو التغاضي عن بعض الطباع يصبح عملاً نبيلاً وليس عبئاً. العلاقات الناجحة ليست تلك التي تبدأ بشغف كبير، بل تلك التي تستمر بقرار يومي متجدد بالبناء. هذه الرغبة تجعل التنازل فعلاً إيجابياً يقوم به كل طرف ليثبت أن هذا الحب وهذا الشريك يستحقان الجهد.
في الختام، تخلص من وهم التطابق. احتضن جمال الاختلاف، وابدأ في ممارسة فن التنازل المتبادل. الحب الحقيقي ليس العثور على شخص كامل، بل العثور على شخصين غير كاملين يقرران أن يكونا مكملين لبعضهما البعض من خلال الجهد والتنازل. عندها فقط، ستجد في علاقتك ثباتاً ودفئاً يفوق بكثير سحر البدايات. إنها علاقة مبنية على الاختيار المستمر، لا على الصدفة العابرة.



