
هل ما تظنه نهاية… قد يكون أعظم بداية بقلم الكاتب حمد حسن التميمي
في منتصف القرن التاسع عشر، كانت إليزابيث بلاكويل فتاة تحمل حلمًا بدا مستحيلًا: أن تصبح طبيبة في زمن كان الطب حكرًا على الرجال. تقدمت إلى أكثر من جامعة، وتلقت رسائل رفض متكررة، بل وسخرية صريحة من أساتذة وطلاب اعتبروا حلمها “غير لائق”. حتى حين قُبلت أخيرًا في كلية جنيف الطبية، كان القبول في البداية على سبيل المزاح من الطلاب الذكور الذين ظنوا أن طلبها مجرد دعابة. ومع ذلك، لم تتراجع. درست بجد، وتخرجت بمرتبة الشرف عام 1849، لتصبح أول امرأة تحمل شهادة في الطب في الولايات المتحدة. ما بدا نهاية لطموحها كان في الحقيقة بداية تاريخية غيرت مسار المهنة وفتحت الباب أمام آلاف النساء من بعدها.
هذه القصة ليست مجرد سطر في كتب التاريخ، بل مرآة لحياتنا نحن. كم مرة شعرنا أن الطريق قد انقطع، وأن ما فقدناه لن يُعوض؟ كم مرة وقفنا أمام باب مغلق فاعتقدنا أن الحياة توقفت عنده؟ الحقيقة أن ما نراه نهاية قد يكون مجرد منعطف يقودنا إلى بداية جديدة، أوسع وأجمل مما تخيلنا.
الحياة لا تُختصر في فرصة واحدة، ولا تتوقف عند خسارة أو فشل. هي مثل نهر متجدد، يلتف حول الصخور ليواصل جريانه. وما دمنا أحياء، فكل لحظة تحمل إمكانية أن تكون بداية مختلفة.
ولكي نساعد أنفسنا عمليًا، يمكننا أن نبدأ بخطوات بسيطة لكنها مؤثرة. أن نثق أن قيمتنا لا تحددها تجربة واحدة ولا تُقاس بخسارة عابرة، وأن ندرك أن كل نهاية تحمل بذور بداية جديدة، حتى لو لم نرها في وقتها. ومن المهم أن نسمح لأنفسنا بخوض تجارب مختلفة دون خوف، فكل تجربة مهما بدت ناقصة أو غير مكتملة، تمنحنا درسًا وقوة إضافية. وأخيرًا، أن نضع يقيننا في أن الله يخبئ لنا دائمًا ما هو خير، فالثقة به تمنحنا طمأنينة تجعلنا نرى في كل عثرة فرصة، وفي كل خسارة درسًا، وفي كل نهاية بداية جديدة.
وإذا نظرنا إلى المستقبل، سنجد أن العالم يتغير بسرعة مذهلة، وأن الفرص تتجدد بطرق لم نكن نتوقعها. ربما سيأتي زمن تصبح فيه القدرة على التكيف والانفتاح على الجديد أهم من أي شهادة أو خبرة. وسيكون النجاح حليف من يتقن فن النهوض بعد كل سقوط، لا من يظن أن خسارة واحدة تعني النهاية. في عالم سريع الإيقاع، سيكون البقاء للأكثر مرونة، لا للأكثر حظًا.
في النهاية، ما تظنه اليوم نهاية قد يكون أعظم بداية في حياتك. قد يكون اللحظة التي تعيد فيها اكتشاف نفسك، أو النقطة التي تنطلق منها نحو حياة أصدق وأجمل. فلا تحزن على ما مضى، ولا تُقيد نفسك بما انتهى، بل انظر إلى الأمام بثقة. فالحياة لا تُقاس بما فقدت، بل بما ينتظرك، وما ينتظرك قد يكون أجمل بكثير مما تتخيل.



