مقالات

الحياة لا تقاس ….. بالخطوات بل بعمق النظره …. بقلم الكاتب حمد حسن التميمي

في عالم يزداد صخبه يومًا بعد يوم، يصبح التأمل رفاهية، والرؤية العميقة مهارة نادرة. وبينما يركض الجميع خلف السرعة والسطحية، تقف البومة في هدوئها، تراقب، تفهم، وتنتظر اللحظة المناسبة لتتحرك. في المقابل، ينام الدجاج مبكرًا، لا يرى ما يحدث في الظلام، ولا يدرك ما يفوته حين تغيب الشمس. السؤال هنا ليس عن الطيور، بل عنا نحن: كيف نعيش؟ هل نرى ما لا يُرى، أم نكتفي بما يظهر على السطح؟
البومة لا تملك سرعة الصقر، ولا جمال الطاووس، لكنها تملك عينًا ترى في العتمة، وتلتقط التفاصيل التي يغفل عنها الآخرون. هي رمز الحكمة في ثقافات كثيرة، لأنها لا تتسرع، ولا تحكم، بل تراقب بصمت وتفهم بعمق. أما الدجاج، فهو يعيش في جماعة، يكرر ذات الحركات، ويخاف من التغيير. لا يملك فضولًا حقيقيًا، بل يكتفي بما يُقدم له، ويغفو حين تبدأ الحياة الحقيقية في الليل.
في حياتنا، هناك من يرى بعين البومة: يلاحظ النبرة خلف الكلمات، والنية خلف التصرفات، والفرصة خلف الأزمة. وهناك من ينام كالدجاج: يصدق كل ما يُقال، ويتبع كل ما يُرسم له، ويخاف من التفكير خارج القطيع. الفرق بين الاثنين ليس في الذكاء، بل في الشجاعة. شجاعة أن ترى ما لا يريد الآخرون أن يُرى، وأن تسأل الأسئلة التي لا تُطرح، وأن تتوقف حين يركض الجميع.
حين تواجه تحديات الحياة، فإن الرؤية العميقة تمنحك ميزة لا تُقدر بثمن. لا تتعلق فقط بفهم الآخرين، بل بفهم نفسك. لماذا تشعر بهذا الشعور؟ لماذا تكرر هذا الخطأ؟ لماذا تنجذب لهذا الطريق؟ هذه الأسئلة لا تُطرح في ضجيج النهار، بل في سكون الليل، حين تصمت الأصوات وتتكلم الأفكار.
الحلول لا تأتي دائمًا من الخارج، بل من لحظة صدق داخلي. حين تتوقف عن تقليد الآخرين، وتبدأ في ملاحظة نفسك. حين ترى ما وراء السطح، وتفهم أن الحكمة ليست في كثرة المعلومات، بل في عمق الفهم. لا بأس أن تكون بومة وسط دجاج كثير، حتى لو بدوت غريبًا، لأن الغرابة أحيانًا هي أول الطريق نحو التميز.
في المستقبل، ومع تسارع كل شيء، ستصبح القدرة على الرؤية العميقة أكثر ندرة، وأكثر قيمة. سيُطلب منك أن تحكم بسرعة، أن ترد فورًا، أن تواكب دون تفكير. لكن من يملك عين البومة سيختار التريث، وسيجد في التأمل ما لا يجده الآخرون في الركض. ستكون الحكمة عملة نادرة، والهدوء مهارة مطلوبة، والقدرة على فهم التفاصيل هي ما يميز القادة الحقيقيين عن المقلدين.
وفي ختام هذا التأمل، تذكر أن الحياة لا تُقاس بعدد الخطوات، بل بعمق النظرة. لا تخف من أن تكون مختلفًا، ولا تتردد في أن ترى ما لا يراه الآخرون. لأنك حين ترى بعين البومة، فإنك لا تعيش فقط، بل تفهم الحياة كما هي، وتمنح نفسك فرصة أن تكون أكثر إنسانية، أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على أن تصنع فرقًا حقيقيًا في عالم ينام فيه الكثيرون قبل أن يبدأ الليل الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى