
الرقص على مشاعر المحرومين بقلم الكاتبة والاعلاميه فاطمة إبراهيم الصفيان
في زمنٍ تتراقص فيه الصور اللامعة على شاشات الهواتف، وتتنافس الأرواح على تزييف لحظات السعادة، برزت ظاهرة مؤلمة تختبئ خلف الأقنعة البراقة: الرقص على مشاعر المحرومين.
ليست رقصةً بالمعنى الحرفي، بل هي حالة اجتماعية مقلقة، يتجلى فيها التباهي بالتفخيم والتعظيم الفج، المبالغ فيه وكأنه صخب وصراخ بصوت عالي يقول نحن هنا نحن فعلنا وعملنا كذا وكذا وينقلب إلى إزعاج بإستعراض مفرط بما يفتقر إليه الآخرون ، مثال على ذلك : طرق كسب المال، المشتريات ، السفر ، التجميل ، النجاح على جميع الأصعدة ، الزواج بالأختيار، الأبناء البارين ، تجمع دفء العائلة ، الحفلات المبالغ بها ، الولائم العزايم والبوفيهات، البذخ في الصرف ، البيوت التي تحولت إلى قصور ، السيارات والعاملات ، تجدهم يسلطون الضوء عليها ويتحوّل كل ذلك إلى عروض مسرحية على منصات التواصل، تفتقر أحيانًا للحد الأدنى من الحس الإنساني أو مراعاة الفروق الطبقية والعاطفية ،
المؤلم في هذا المشهد ليس فقط التفاوت، بل استغراب أصحاب النِعَم من عدم تفاعل البسطاء معهم!
يتعجبون حين لا يشاركهم المحرومون فرحتهم المفخّمة، ولا يبالغون في مجاملتهم والتصفيق لهم ،و يتساءلون: لماذا يفرحون لنا بنفس مكسورة ؟ لماذا هذه “السلبية” و”البرود”؟ متناسين أن استعراض من يملك في حضرة من لا يملك ليس بهجة، بل استفزاز ،،
الوجع لا يكمن في امتلاك الآخر لما لا نملك، بل في الطريقة التي يُعرض بها هذا الامتلاك ، حين يتحول الامتياز إلى أداة لإبراز التفوق، ويصبح التفاخر سلوكًا يوميًّا مغلفًا باللا مبالاة، يتشكل جرحٌ صامت في قلوب من يشاهدون ويتحسرون، من يعيشون على أطراف المجتمع دون صوت، دون مساحة، دون قدرة حتى على التعبير عن مشاعرهم المكسورة ،
أن ترقص فوق أرضك، لا يعني أن تدوس على قلوب الآخرين. وأن تحتفل بفرحك، لا يعني أن تُشعر من حولك بأنك الأفضل ، لا داعي للضجيج ولا للصراخ لتسمع جميع الناس ، فتصبح مزعج ، ومحور للكون ،
إن الفرق بين الفرح المتزن والاستعراض المدوي المؤذي هو مقدار التعاطف الذي نحمله بداخلنا ،
ربما لا يقصد الكثيرون هذا “الرقص”، لكن غياب الوعي الاجتماعي يترك وراءه شقوقًا يصعب ترميمها. لا أحد يطلب أن نكتم سعادتنا، بل فقط أن نُقدّر أن هناك من يُراقب من خلف زجاجٍ مكسور، لا ليتجسس، بل ليتمنى فقط لو يعيش يومًا مما تعيشه ،
الرقص على مشاعر المحرومين ليس سلوكًا يُعاقب عليه القانون، لكنه جريمة ذوق وإنسانية، تُسجّل في دفاتر الذاكرة، وقد تُحاسبنا عليها الأيام بالدوران ، وقد يحاسب الله بزوالها وقد تكسر القلوب بأمور أخرى في مواضع اخرى دون دراية عن السبب ولكن السبب يكمن في ان الجزاء من نفس العمل .



