
ومضات فلسفيه ومضات أدبيه …. بقلم الكاتب فهد العطوي
المتناقضات الشعرية جدلية المعنى وجماليات التضاد . في عالم الشعر، لا يولد الجمال من الانسجام وحده، بل كثيرًا ما ينبثق من التوتر بين الأضداد. فالمتناقضات الشعرية ليست فوضى في المعنى، بل نظامٌ داخلي يولّد دهشة، حيث تتقابل المتضادات كالنور والظلام، الحب والكره، في مشهدٍ تعبيري يعكس عمق التجربة الإنسانية. إنها ليست مجرد أدوات بلاغية، بل جوهرٌ من جدلٍ فلسفي يعيد تشكيل اللغة والمعنى.
الشعر ومفهوم التضاد: بين التناقض والانسجام
لطالما كان الشعر فنّ المفارقة والمفارقات؛ فبين الليل والنهار، الحياة والموت، الحب والكره، الحضور والغياب، ينسج الشاعر رؤيته الوجودية. المتناقضات لا تأتي لتشوّه النص، بل تؤسّس لتوتر داخلي يولد المعنى. وكأن التناقضات هي الشرارة التي تُشعل نار الكشف.
فالقول مثلًا: أحبك كرهًا، وأكرهك حبًا.
ليس خطأً منطقيًا، بل انفجارًا وجدانيًا يعكس عمق التجربة العاطفية واستحالة اختزالها في منطقٍ أحادي. فالحب، كالكثير من الانفعالات، قد يحمل في طياته بذور نقيضه.
لم يخلُ الشعر العربي، منذ العصر الجاهلي، من صور متناقضة تعبّر عن قلق الإنسان في مواجهة الطبيعة والحرب والحب. وفي العصر العباسي، برز أبو نواس والمتنبي بوصفهما حرفيي التناقضات. المتنبي، على وجه الخصوص، كان سيد المفارقات النفسية والوجودية:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
هنا لا نجد تناقضًا مباشرًا، بل مفارقة ذات طابع فلسفي تعكس الاختلاف بين جوهرين إنسانيين.
أما في الشعر الحديث، فقد توسّعت المساحة التعبيرية للتناقضات، فصارت جزءًا من البنية الجمالية الكلية للنص. إيليا أبو ماضي، ميخائيل نعيمة، جبران خليل جبران، محمود درويش، نزار قباني، أدونيس… جميعهم استخدموا المتناقضات لا فقط كزينة بل كمادة جوهرية لبناء النص.
نماذج من الشعر الحديث فمثلاً عند إيليا أبو ماضي نرى جدلًا بين نظرتين متناقضتين : الأولى سوداوية، والثانية متفائلة مشرقة .
قال: السماءُ كئيبةٌ وتجهّما قلتُ: ابتسم يكفي التجهّمُ في السما!
هنا يظهر التناقض بين رؤية الشاعر المتفائلة ورؤية الإنسان المتشائمة، مما يخلق صراعًا نفسيًا وفلسفيًا داخل القصيدة يعكس اختلاف مواقف البشر أمام الحياة.
ميخائيل نعيمة – النهر المتجمد
يخاطب النهر المتجمد الذي يمثل الجمود والموت، لكنه يزرع في النص بذور الحياة ، فها هو يخاطب النهر المتجمد من شدة البرد ويقول :
قد كان لي، يا نهرُ، قلبٌ ضاحكٌ مثل المروج واليوم قد جمدتْ كوجهِكَ فيه أمواجُ الأمل فتساوتِ الأيامُ فيه: صباحُها ومساؤها وتوازنَتْ فيه الحياةُ: نعيمُها وشقاؤها
وفي نفس النص:
لكن سينصرف الشتا، وتعود أيامُ الربيعْ فتفكّ جسمكَ من عِقَالٍ مَكَّنَتْهُ يدُ الصقيع وتكرّ موجتُكَ النقيةُ حُرَّةً نحوَ البِحَارْ
التناقض بين السكون والحركة، بين الجمود والتدفّق، يجعل من القصيدة صورة رمزية للصراع بين اليأس والأمل .
محمود درويش – أحن إلى خبز أمي
أحنّ إلى خبزِ أمي… والموتُ يُكتبُ لي… ميلادَ بلادي.
تناقض بين الحنين العاطفي البسيط، والواقع القاسي الذي يُفرض على الشاعر .
نزار قباني – يا وطني الحزين حولتني بلحظة من شاعر يكتب الحب والحنين لشاعر يكتب بالسكين!
التناقض بين وظيفة الشاعر الرومانسية، ووظيفته الثورية، يُبرز المأساة والتمزّق في وجدان الشاعر نتيجة الواقع الذي يعيشه .
أدونيس – كتاب التحوّلات: أؤمن بالموت كي أبدأ الآن حيًّا، وأرسم وجه البداية في آخر الطلقة.
تناقض صريح بين النهاية والبداية، الموت والحياة، هو قلب المفهوم الفلسفي الذي يسعى إليه أدونيس: أن الشعر يولد من الحافة، من حيث يفنى المعنى ويولد من رماده.
الوظيفة الفلسفية والجمالية للتناقض
من زاوية فلسفية، المتناقضات الشعرية تقرّب الشعر من منطق الديالكتيك؛ ذلك المفهوم الجدلي العميق الذي يرى أن الصراع بين المتضادّات هو الشرط الأساسي لنمو الفكر وتطور الوعي. فالديالكتيك، كما صاغه هيغل، يتحرك من أطروحة (فكرة)، إلى نقيض (ضدها)، ثم إلى تركيب جديد (فكرة أكثر نضجًا) ناتجة عن التصادم بينهما.
المتناقضات الشعرية ليست انحرافًا عن المنطق، بل لغة الشاعر حين يعجز المنطق عن التعبير. هي وسيلة لإيصال المعاني المتعددة،وتحفيز القارئ على التأمل والتساؤل. إنها تمثّل دهشة الشعر الأولى، حيث تلتقي النار بالجليد، ويولد من التصادم نورٌ شعري، يعيدنا إلى جوهر الإنسان .
وفي ختام هذا التأمل، يبسط الشاعر فهد العطوي جناحيه، في لحظة وجدانية متوترة، تجسّد جوهر ما قيل ، وأقول شعراً :
أفرُّ إليكِ منّي، ثمّ أبقى كأنّي في هوانِكِ قد علَوتُ فما ذلُّ الهوى إلا اعتلاءٌ إذا ما كنتُ في ضعفي قَوِيتُ
فماذا قلتم أيها الشعراء…كيف كتبتم عن تناقضات النفس والعاطفة؟



