
“الخذلان” .… درس أم عقاب .. بقلم الإعلامي بندر الملحم
حين تقف وحيدًا في مواجهة الجميع دفاعًا عن شخصٍ آمنت به ، وتتلقى السهام بدلًا عنه ، وتضعه خلفك مطمئنًا ، ثم تفاجأ بسهمٍ ينغرس في ظهرك صادرًا منه ، مصحوبًا بابتسامة انتصار يقف بها إلى جانب من حاربتهم لأجله… فذلك هو الخذلان في أقسى صوره.
الخذلان من أشد المشاعر إيلامًا التي قد يتعرض لها الإنسان في حياته، لأنه لا يأتي من عدوٍ متوقع ، بل من شخصٍ منحته الثقة ، ووضعت فيه الأمان ، وظننت أنه سندك حين تشتد المعركة.
حين تثق بصديقٍ قريب ، ترى رأيه صوابًا، وتتشبث بموقفه، وتدافع عنه أمام الجميع، ثم تكتشف أن من يقود مؤامرة الإطاحة بك هو الصديق نفسه ، تدرك حينها معنى الخذلان الحقيقي. تمامًا كما حدث مع يوليوس قيصر حين طعنه أقرب الناس إليه، بروتوس، فكان الموت أهون عليه من صدمة الخيانة ، ولم يجد ما يقوله سوى عبارته الخالدة: «حتى أنت يا بروتوس؟».
ويبلغ الخذلان ذروته حين يأتي من الإخوة ؛ أولئك الذين يُفترض أن يكونوا مصدر الأمان والقوة ، والذين تستمد منهم الشعور بالحياة والانتماء. حين ترى في ترابطكم قوة تُحتذى ، وتتمنى أن تخرجوا معًا صفًا واحدًا ، ثم تكتشف أن من حاول كسر حياتك هم إخوتك أنفسهم ، كما فعل إخوة يوسف بأخيهم ، فخذلان ذوي القربى أشد قسوة .
الخذلان قد يكون عقابًا لفرط الثقة ، وقد يكون نتيجة سذاجةٍ عاطفية تجعل الإنسان يبرر الأخطاء المتكررة ، ويتغاضى عن الإشارات الواضحة ، ويوهم نفسه بأن الحقيقة ليست كما تبدو ، حتى تأتي لحظة السقوط ، ويكتشف المعنى الحقيقي للخذلان متأخرًا.
وقد يكون الخذلان درسًا قاسيًا ، لكنه درس لا يُنسى ؛ لأنه يترك ندبة في القلب ، تجعلك أكثر حذرًا في كل ثقة قادمة، وأكثر وعيًا بمن تمنحه مكانة القرب والأمان.
الخلاصة
الثقة جزء أصيل من طبيعة الإنسان ، ولا يمكن للحياة أن تستمر دونها ، لكن الحكمة أن تُمنح بوعي لا بإفراط. فاحفظ نقاء هذه الطبيعة ، ولا تهدر ثقتك في غير موضعها ، كي لا تضطر يومًا إلى التخلي عن إنسانيتك بسبب خذلان لا يُنسى



