
هل أنا فعلاً … أم مجرد نسخة ….. بقلم الكاتب حمد بن حسن التميمي
في لحظات كثيرة، نشعر أننا نعيش حياتنا كما نريد. نضحك، نقرر، نختار، ونمضي في طريقنا بثقة. لكن فجأة، وسط زحام اليوم أو في لحظة صمت، يتسلل سؤال مربك: هل هذا أنا فعلًا؟ أم مجرد نسخة محسنة من شخص يتقن التمثيل؟ نتصرف كما يتوقع منا، نرد كما تعودنا، ونبتسم حتى لو لم يكن هناك ما يُضحك. نشعر وكأننا نُمثل دورًا لا يشبهنا، دون أن ننتبه أننا على خشبة مسرح لا نعرف متى صعدنا إليها.
هذا الشعور ليس غريبًا، بل له جذور نفسية واجتماعية حقيقية. علم النفس يصفه بـ”الاغتراب الذاتي”، وهي حالة يشعر فيها الإنسان أن أفعاله لا تنبع من ذاته، بل من توقعات الآخرين. نحن نولد بهوية خام، ثم نبدأ بتشكيلها عبر التربية، المجتمع، المدرسة، العمل، وحتى وسائل التواصل. ومع الوقت، نرتدي أقنعة: قناع المثالي، قناع القوي، قناع الاجتماعي، قناع الذي لا يُخطئ. نلبسها حتى ننسى ملامحنا الأصلية، ونعيش أدوارًا لم نكتبها، بل كُتبت لنا.
لكن لماذا نرضى بذلك؟ لأننا نبحث عن القبول، ونخاف الرفض. نريد أن نكون محبوبين، مفهومين، مقبولين. فنُعدل سلوكنا، نُخفف من آرائنا، نُخفي مشاعرنا، ونُقلد من نعتقد أنهم “أفضل”. ومع تكرار هذا التمثيل، نبدأ نصدق أننا تلك النسخة، حتى نشعر بالفراغ. وهنا تبدأ الحاجة إلى لحظة وعي، لحظة نراجع فيها أنفسنا بصدق، ونسأل: “هل هذا ما أريده؟ أم ما يُنتظر مني؟”
ولكسر هذه الدائرة، لا نحتاج إلى ثورة، بل إلى خطوات بسيطة. خصص وقتًا للهدوء، واسمع صوتك الداخلي. اكتب ما تحب، ما تخاف، ما تحلم، دون رقابة. راقب متى تتصرف بعفوية، ومتى تتقمص دورًا. لا تخف من قول “لا”، ولا من أن تكون مختلفًا. أحط نفسك بمن يراك كما أنت، لا كما يريدك أن تكون. واذكر دائمًا: التغيير يبدأ من لحظة وعي، لا من لحظة مثالية.
في المستقبل، سيزداد هذا الشعور مع تسارع الحياة وكثرة المقارنات. ستكثر الأصوات التي تخبرك من يجب أن تكون، وكيف يجب أن تتصرف، وما الذي يُعتبر “نجاحًا”. لكن في وسط هذا الضجيج، سيبقى صوتك الداخلي هو البوصلة الوحيدة التي تعرف الطريق. وكلما اقتربت منه، كلما شعرت أنك تعيش… لا تُقلد.
وفي النهاية، لا أحد يستحق أن تعيش حياته بدلاً عنه. وأنت لا تستحق أن تكون مجرد نسخة محسنة من شخص آخر. كن أنت، حتى لو لم يعجبهم ذلك. لأنك حين تكون نفسك، تكون حرًا. وتلك الحرية… هي الحياة الحقيقية.



