مقالات

لا خصوصية

حين يُربى الطفل أمام الكاميرا، لا في حضن الأسرة

في زمنٍ أصبحت فيه أدق تفاصيل الحياة اليومية مادةً للبثّ، لم يعد غريبًا أن يتحوّل البيت إلى “لوكيشن”، والأبناء إلى “محتوى”، والعائلة إلى مشروع إعلامي يشغل الجمهور أكثر مما يُشغلها ذاتها.

نشهد على منصات التواصل، وخاصة سناب شات، صعود ظاهرة “العوائل المشهورة”… حيث تُختصر المشاعر في لقطات، وتُختزل التربية في ضحكات مُصطنعة، وتُستبدل الخصوصية بتفاعل، والتربية بالمونتاج. الأب يُخرج، الأم تُرتب، والطفل يؤدي، وفي النهاية… تُرفع القصة.

المرعب في هذه الظاهرة أنها لم تعد حالة عابرة، بل أصبحت “نموذجًا” يُحتذى به، وتُقلّده أسر أخرى ظنًا أن البروز الرقمي يعني النجاح، وأن المشاهدات هي مقياس السعادة.

لكن خلف هذه الإضاءة، يقبع سؤال ثقيل:

هل نحن نُربي أبناءنا… أم نُنتجهم؟

هل نُعلّمهم كيف يعيشون لحظاتهم، أم نُدرّبهم على كيفية “أدائها” أمام الكاميرا؟

طفلٌ لم يبلغ الحلم بعد، يتلقى تعليقات من غرباء على شكله، صوته، ولباسه.

أمٌ تُعيد لقطة بكاء طفلها مرتين لأن “التفاعل ضعيف”.

أبٌ يتفاخر بأن أبناءه “كسبوا جمهورًا”… قبل أن يكسبوا خصوصيتهم.

كل هذا يثير قلقًا تربويًا وأخلاقيًا حقيقيًا. فالطفل لا يملك حق القبول أو الرفض، ولا يملك إدراك العواقب. ونحن – الآباء – نقرر نيابة عنه، نُصوّره، نعرضه، ونُناقش تفاصيله مع متابعين لا نعرفهم.

ومع أن سناب شات يُعد المنصة الأبرز التي شهدت تصاعد هذا النمط، إلا أن الظاهرة ليست حكرًا عليه.

ففي تيك توك، يتحوّل الطفل إلى “ترند” يُعاد تداوله آلاف المرات بلا رقابة،

وفي إنستغرام، تُنسق حياة العائلة كواجهة عرض مثالية تُخفي خلفها صخب الواقع.

أما يوتيوب، فهناك عائلات كاملة تبني دخلها على يوميات الأطفال، من الإفطار حتى بكاء النوم.

كل منصة لها طريقتها، لكن الجوهر واحد:

تحويل الحياة الأسرية إلى عرض عام، والجمهور إلى حَكم على تفاصيل لم يُخلق لها منبر.

وفي خضمّ هذا كله، تضيع التربية الحقيقية… تلك التي تُبنى بعيدًا عن الأضواء، وتعتمد على الصبر، والاحتواء، والخصوصية.

ختامًا…

لسنا ضد الظهور، ولسنا من أعداء التقنية، بل نحن أبناء هذه المرحلة.

لكن البيت، يا سادة، ليس نشرة.

والطفل ليس “فلوقر”.

والحب لا يُقاس بعدد المشاهدات.

فلنحفظ لأطفالنا طفولتهم، ولعلاقاتنا قدسيتها، ولأسرنا خصوصيتها.

فبعض اللحظات، لا تُبث… بل تُحتَفَظ بها، حيث تستحق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى