مقالات

المنح .… حين يتحول العطاء إلى صناعة أثر بقلم الكاتب فيصل محمد الحسني

ارتبط العطاء في المجتمع السعودي منذ وقت مبكر بقيم راسخة مثل التكافل والإحسان ومساعدة المحتاج، وكان الناس يقدمون الدعم بدافع ديني واجتماعي. ومع تطور الحياة وتوسع احتياجات المجتمع، لم يعد هذا العطاء مقتصرًا على المبادرات الفردية، بل تطور ليأخذ شكلًا أكثر تنظيمًا فيما يُعرف اليوم بالمنح، التي أصبحت إحدى أدوات العمل المؤسسي المنظم.

المنح في جوهرها فكرة بسيطة: دعم يُقدَّم دون مقابل، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في الطريقة التي تُدار بها والنتائج التي تحققها على أرض الواقع. فاليوم لم تعد المنح مجرد مساعدة آنية تنتهي بانتهاء الحاجة، بل أصبحت وسيلة لتمكين الأفراد وبناء قدراتهم، سواء في مجالات التعليم أو الصحة أو دعم المشاريع الصغيرة، بما ينعكس بشكل مباشر على استقرار المجتمع وتحسين جودة الحياة.

ومع هذا التحول، بدأت المؤسسات غير الربحية تتعامل مع المنح بمنهج مختلف، يقوم على التخطيط والدراسة ووضوح المعايير. فالمنحة لم تعد تُمنح لمجرد الحاجة فقط، بل تُربط بالأثر المتوقع، ومدى قدرة المستفيد على الاستفادة منها وتحويلها إلى قيمة حقيقية على المدى المتوسط والبعيد. هذا التغيير أسهم في رفع كفاءة الإنفاق، وقلل من الاعتماد المستمر على المساعدات، وعزز ثقافة الاعتماد على الذات.

كما أن تنظيم إدارة المنح عزز من ثقة المجتمع والجهات الداعمة، إذ أصبحت الإجراءات أوضح، والمتابعة أكثر دقة، والنتائج قابلة للقياس والتقييم. وهو ما شجع كثيرًا من الداعمين على توجيه أموالهم نحو برامج تنموية طويلة المدى بدلًا من الحلول المؤقتة التي تنتهي آثارها سريعًا.

ولا يمكن إغفال أن المنح حين تُدار بوعي، تسهم في تحقيق نوع من التوازن الاجتماعي، وتفتح فرصًا حقيقية أمام فئات كانت تفتقر إلى الدعم أو التمكين، وهو ما يجعل أثرها يتجاوز الفرد ليصل إلى الأسرة والمجتمع ككل.

في النهاية، يمكن القول إن المنح لم تعد مجرد عطاء، بل أصبحت أداة واعية لإحداث تغيير حقيقي. وحين تُدار المنح بفكر مسؤول ورؤية واضحة، فإن أثرها لا يتوقف عند فرد أو أسرة، بل يمتد ليشمل المجتمع بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى