
استراتيجية تخصيص المنح : كيف توازن المؤسسات المانحة بين الأثر والموارد المحدودة بقلم الكاتبه شكران بنت عبدالله الجهني
تعمل المؤسسات المانحة ضمن إطار استراتيجي تحكمه محدودية الموارد والسعي المستمر لتعظيم الأثر الاجتماعي. ورغم التنوع الكبير والجودة العالية للمبادرات المقدمة من مختلف الجهات، تبقى القدرة التمويلية لأي مؤسسة غير كافية لمواكبة حجم الطلب المتزايد. هذا الواقع يفرض بالضرورة وجود آليات واضحة لتخصيص الموارد، تضمن توجيه التمويل المتاح بطريقة مسؤولة ومنظمة. ومن هذا المنطلق، لا تنطلق عملية اختيار المشاريع من منظور انتقائي، بل من حاجة تنظيمية تهدف إلى تحقيق أفضل استخدام ممكن للموارد المحدودة.
تستند قرارات المنح إلى معايير محددة ومعلنة مسبقًا تضمن الاتساق مع استراتيجية المؤسسة وأولوياتها. وتشمل هذه المعايير نطاق التمويل الجغرافي، والقطاعات التي تركز عليها المؤسسة، والمراحل التي تختار التدخل فيها ضمن مسارها التنموي. كما تؤخذ في الاعتبار عناصر أخرى، مثل استدامة الأثر المتوقع، وجاهزية الجهة المتقدمة للتنفيذ، ووضوح آليات المتابعة والتقييم. وجود هذه الأطر المنهجية لا يهدف إلى التعقيد، بل إلى تعزيز الشفافية وضمان الاستخدام المسؤول للموارد.
وتشير التحليلات الدولية المتخصصة في العمل الخيري إلى أن الطلب على التمويل يفوق العرض المتاح في معظم الحالات، حتى لدى المؤسسات المانحة الكبرى. ولهذا تعتمد هذه المؤسسات على نماذج قرار متعددة العوامل تُمكّنها من تحقيق توازن مدروس بين التركيز الاستراتيجي وتنوع محافظها التمويلية، وبين تعميق الأثر في مجالات محددة وتوسيع نطاق التدخل في مجالات أخرى.
من منظور قيادي، تكمن أهمية هذا النهج في إدارة التوقعات وترسيخ الوضوح. فعندما تكون معايير الاختيار معروفة ومفهومة، يصبح قرار عدم التمويل نتيجة طبيعية لعملية منظمة، لا مصدرًا للغموض أو سوء الفهم. ويسهم هذا الوضوح في بناء علاقة مهنية أكثر نضجًا بين المؤسسات المانحة والجهات المتقدمة، قائمة على فهم مشترك لطبيعة القيود والفرص.
في المحصلة، لا يقلل اعتماد معايير تمويل واضحة من قيمة المبادرات التي لم تحظَ بالدعم، بل يعكس التزام المؤسسات المانحة بإدارة مواردها بأعلى درجات المسؤولية. وبهذا المعنى، تظل المنح أداة استراتيجية لإحداث التغيير، بطبيعتها الانتقائية، وغير القادرة على استيعاب الجميع في الوقت نفسه.



