
في جوف السكون الأديبة بقلم الكاتبة بلقيس المرهبي
في جوف السكون، حيث تنام الأصوات، كانت روحي يقِظةً على وجعٍ لا ينام.
تشهق كنايٍ مثقوب، تنفث نغمة الحياة من صدعها لا من كمالها.
لم أولد على حافة الضوء، بل في خاصرة العتمة.
وكان لزامًا عليّ أن أتعلم كيف أُضيء ظلالي، كيف أشعل في قلبي شمعة، حين يخبو العالم من حولي.
كأنني خُلقت لا لأعيش، بل لأقاوم. لأحارب، كأن الرئتين لم تكونا بيتًا للتنفس، بل جبهتين.
كأن كل شهيق هو امتحان، وكل زفير توقيع على الحياة.
كانوا يقولون لي: “أنتِ بخير، احمدي الله، غيركِ أسوأ.” لم يعلموا أن الصمت الذي يتوسّد صدري له صوت،
وأن العافية ليست حظًا، بل حياة كاملة كنتُ أراها من خلف زجاج العزل.
كلّ صباح، كنت أُنهض نفسي من سريرٍ أبيضٍ كالكفن، أُقنعها أن الحياة تستحق ولو لأجل نفسٍ واحدٍ فقط،
أُعيد ترتيب ألمي في دفاتر، أُرمّم ضلوعي بالكلمات، وأبتسم لأُطمئن الآخرين، لا لأنّي بخير، بل لأنهم لا يحتملون وجعي.
كنت أحارب في صمتٍ مُهذب.
لا أضرب ولا أصرخ، بل أنزف من الداخل، وأربط جراحي بشرائط الأمل.
أكتب، لأمنع نفسي من الانهيار.
أرسم، كي لا أنسى ملامحي وأنا أذبل.
تعلمتُ أن لا أصرخ، حتى في قمة الألم.
أن لا أطلب، حتى في قاع الحاجة.
أن أواسي وأنا المنهكة.
أن أقول “ستكونين بخير” لفتاةٍ تجهل أنني أنا التي تحتاج هذه الجملة.
وحدي في الممرات، في غرف الانتظار، على مقاعد المستشفيات،
أحمل حقيبتي الصغيرة، وفيها ورق، قلم، وجُرح لم أعد أخافه.
اعتدت الغياب، حدّ أني بتُّ لا أعرف كيف يكون الحضور.
اعتدت الوحدة، حدّ أن الرفقة تُربكني. أخاف أن يتذمّر أحد من كوني مريضة، فأختار العُزلة، لا لأنني لا أحتاج أحدًا، بل لأنني أحتاج من لا يُوجعه بقائي.
لم أطلب أن أكون بطلة، ولا أن يُقال عني “الملهمة”،
كلّ ما أردته أن أهدأ، أن أعيش يوماً دون أن أحسب الأنفاس، أن لا أكون مشروع مريضة للأبد.
حين قال الطبيب: “أنتِ الفتاة المعجزة”، تبسمتُ بمرارة.
لم يرَ المعجزة الحقيقية… أني ما زلت أحب الحياة، رغم أنها كانت السبب الأول لبكائي.
خضتُ كل المعارك وحدي، لكنّي لم أخرج بلا راية، بل خرجت بحبرٍ على الورق، أطلقت عليه اسم “ميلاد حرف”، لأنّه حقًا كان ولادتي من جديد.
ثم فتحت جرحًا قديمًا،
وسميته “هالة بلقيس”، حكيت فيه حكايتي كما هي: لا بطولات، لا تمجيد… فقط صِدق.
أنا اليوم نور، كما أسميت نفسي.
نور لا يأتي من الفرح، بل من الاحتراق.
نور لم يهبطه الله عليّ، بل حفرته بأظافري من جدار الظلمة.
أريد فقط… أن أكون.
لا محاربة، لا ملهمة، لا قوية.
فقط إنسانة، تخلع وجعها كلّ مساء،
وتنام بطمأنينةٍ لا تَسبقها أنين.




