
من المفتاحة إلى بنية ثقافية جديدة.. مؤسسة حسين محي تعيد تموضع الفن المعاصر في قلب أبها
بدأ تأسيس مؤسسة حسين محي (Hussain Muhay Foundation) عام 2023، وانطلقت في يناير 2024 من قلب أبها كمؤسسة مستقلة ومنصة ثقافية مجتمعية للفن المعاصر. ومنذ ذلك الحين، تعمل على تطوير الممارسة وإنتاج الأعمال والمعرفة ودعم الفنانين، وبناء مساحات للبحث والتعليم والتبادل الثقافي تربط عسير بالمشهد الفني السعودي والإقليمي والدولي.
وتتصل المؤسسة بذاكرة فنية راسخة في أبها؛ فمؤسسها الفنان السعودي حسين محي هو أحد فناني المفتاحة الذين تشكلت تجاربهم داخل مرحلة محورية من تاريخ الحركة الفنية في المدينة. واليوم تتحول هذه العلاقة من خبرة شخصية إلى فعل مؤسسي يعيد قراءة ذاكرة أبها ويصلها بأسئلة الحاضر عبر البحث والإنتاج والتعليم والتبادل.
وتعمل المؤسسة من مبنى في وسط أبها ظل مهجورًا لأكثر من ستين عامًا، قبل أن يُرمم ويُعاد تأهيله ويُعاد وصل محيطه المباشر بالحياة الثقافية للمدينة. ويضم المبنى صالات عرض، واستوديو للإنتاج، ومساحة للبحث، وأرشيفًا، ومكتبة مرجعية صغيرة للفن والفلسفة والثقافة البصرية، ومساحة مخصصة لحفظ وتخزين الأعمال الفنية، ومنصة للإصدارات والأعمال محدودة الطبعة، وفناءً خارجيًا يحتضن المسرح والبرامج والحوارات والاستضافات.
وتعمل هذه العناصر كدورة مترابطة للإنتاج الثقافي، حيث يتجاور البحث والتجريب والإنتاج والعرض والتوثيق والتداول داخل بيئة واحدة تمنح الفنان والمشروع زمنًا للعمل وتبني حولهما سياقًا معرفيًا ومهنيًا يتجاوز حدود الحدث المؤقت.
ومنذ انطلاقتها، اشتغلت المؤسسة مباشرة مع 25 فنانًا في مراحل متنوعة من ممارساتهم، عبر البحث وتطوير المشاريع والحوار النقدي وإنتاج أعمال جديدة والتوثيق والعرض وبناء الملفات المهنية، إضافة إلى فتح مسارات نحو البرامج والإقامات والفرص والمؤسسات داخل المملكة وخارجها.
ويُعد الإنتاج الفني إحدى وظائف المؤسسة المركزية؛ فهي تعمل مع الفنانين على تطوير المشاريع وتحقيقها ماديًا، وتوفر البيئة والموارد والسياق الذي يسمح بانتقال الفكرة من البحث والتصور إلى الإنتاج والعرض والتوثيق. كما عملت على تسويق وبيع عدد من الأعمال وربطها بجمهور وجامعين ودوائر اقتناء، بما يدعم استمرارية الممارسة مهنيًا.
وفي عام 2025 قدمت المؤسسة المعرض الجماعي (الإبلاغ عن خلل)، ضمن برنامج المعارض والإنتاج، بعد فترة من العمل مع الفنانين المشاركين على تطوير المشاريع وإنتاج الأعمال حتى لحظة العرض. وجاء المعرض ضمن مسار أوسع من المعارض والمشروعات والبرامج التي رسخت علاقة المؤسسة بالفنان على أساس البحث والحوار والإنتاج والاستمرار المهني.
ويعمل برنامج المؤسسة ضمن صيغة ديناميكية تجمع المعارض والإنتاج الفني والبحث والتعليم الفني وتطوير الممارسة والورش والحوارات والجلسات النقدية والاستضافات والبرامج العامة والأرشفة والإصدارات والمشاركة المجتمعية، لتشكيل بيئة يلتقي فيها الفنان والباحث والقيّم والجمهور حول إنتاج الفن والمعرفة.
وتحتل المشاركة المجتمعية والتعليم الفني موقعًا أساسيًا في هذا البناء؛ إذ تطور المؤسسة علاقات تعاون مع الجامعات والمؤسسات التعليمية وإدارة التعليم والكيانات الثقافية والمجتمعية، وتعمل على برامج ولقاءات تصل الفن المعاصر بالطلاب والباحثين والجمهور والأجيال الجديدة. ويتعامل هذا المسار مع التعليم بوصفه تطويرًا لأدوات التفكير والبحث والنقد والقراءة البصرية.
وفي هذا الإطار، تعمل المؤسسة على برنامج (ممارسة)، وهو مسار مكثف لتطوير الممارسة الفنية والجاهزية المهنية، يجمع البحث والتجريب والنقد والإنتاج والتوثيق، ويعمل مع المشاركين على تطوير المشاريع وقراءة الممارسات وبناء الأدوات والملفات المهنية وتعزيز قدرتهم على تقديم أعمالهم والتحرك داخل الحقل الفني باستقلالية أكبر.
ويُدرج البرنامج ضمن توجه المؤسسة لبناء مسارات تراكمية لتطوير الفنان، تتحول فيها الخبرة الناتجة من العمل المباشر مع الممارسين إلى معرفة متراكمة تفتح إمكانات أوسع للإنتاج والحضور والمشاركة.
وبالتوازي، تطور المؤسسة البحث والأرشيف باعتبارهما جزءًا من إنتاج المعرفة، فتجمع وتوثق الأعمال والمشروعات والنصوص والصور والحوارات والوثائق والمواد البحثية الناتجة عن برامجها، بما يبني ذاكرة مؤسسية للممارسات الفنية والتحولات الثقافية في أبها وعسير ويوفر موردًا للفنانين والباحثين والقيّمين.
وتقرأ المؤسسة عسير كحقل حي للإنتاج الفني والمعرفي، بما تحمله من تاريخ بصري ومعماري وحرفي واجتماعي ومن تحولات حضرية وبيئية معاصرة. وتتحول هذه الذاكرة المحلية إلى مادة للبحث وإعادة القراءة وصياغة مواقف معاصرة تنفتح على حوار مع ممارسات ومنظورات إقليمية ودولية.
وتتجسد هذه الرؤية في استضافة الفنانين والقيّمين والباحثين والممارسين الثقافيين في أبها، وتطوير مساحات للتبادل والإنتاج المشترك، بالتوازي مع فتح مسارات للفنانين نحو الإقامات والبرامج والمؤسسات والمنصات خارج المنطقة، بما يجعل أبها نقطة اتصال يتحرك عبرها المحلي والدولي في اتجاهين متبادلين.
ويقوم هذا العمل على قيم المجتمع والاستدامة والاستقلالية والبحث والتبادل الثقافي، مع طموح إلى تعزيز مكانة عسير كبيئة قادرة على إنتاج الفن المعاصر والمعرفة والحوار وبناء علاقات طويلة المدى بين الفنان والمجتمع والمؤسسة والمشهد الأوسع.
وتقدم المؤسسة حاليًا المعرض الفردي للفنان حسين محي (ما يُحسب أرضًا)، الذي افتتح في 26 سبتمبر 2026 ويستمر حتى نهاية فبراير 2027. وينطلق المعرض من الأرض بوصفها مجالًا تتقاطع فيه أنظمة القياس والحدود والتصنيف مع التجربة المعيشة للمكان، متتبعًا أثر هذه الأنظمة في فهم الأرض وقراءتها وتحديد علاقتنا بها.
وتتوزع أعمال المعرض بين التركيب الفني والصورة المتحركة والتصوير والأجسام والمواد، ضمن امتداد لممارسة حسين محي البحثية في الأنظمة والبنى التي تشارك في تشكيل الواقع اليومي. وقد حظي المعرض منذ افتتاحه باهتمام من وسائل إعلام تلفزيونية وصحفية ومنصات ثقافية وإعلامية.
وتعمل المؤسسة في مرحلتها المقبلة على توسيع برامجها البحثية والإنتاجية والتعليمية، وتعميق الشراكات الأكاديمية والثقافية، وتطوير الاستضافات والإقامات والتبادل، وبناء مشروعات وعلاقات مشتركة مع الفنانين والقيّمين والباحثين والمؤسسات داخل المملكة وخارجها. ومن قلب أبها، تسعى إلى بناء منظومة مستدامة للفن المعاصر في عسير وجنوب المملكة تنتج الأعمال والممارسات والمعرفة والذاكرة وتوسع المشاركة المجتمعية وتصل خصوصية المكان بالحوار الفني العالمي.
ويستمر معرض (ما يُحسب أرضًا) في مؤسسة حسين محي بمدينة أبها حتى نهاية فبراير 2027.







