
من القحمة إلى فرسان.. البحر ذاكرةٌ للتجارة وجسرٌ للمحبة وصلة الأرحام
لم يكن البحر الذي يفصل بين القحمة وجزر فرسان يومًا حاجزًا بين أهلها، بل كان طريقًا مفتوحًا للتجارة، ونافذةً للرزق، وجسرًا إنسانيًا عبرت عليه حكايات الألفة والمصاهرة وصلة الأرحام. فمنذ عقود طويلة، نسجت المجتمعات الساحلية في هذه البقعة من منطقة جازان علاقات تجاوزت حدود المكان، واستقرت في ذاكرة الأجيال بوصفها تاريخًا مشتركًا صنعته حركة البحر وحفظته روابط الناس.
وتروي الذاكرة الشعبية أن أهالي فرسان اعتادوا نقل الأسماك المجففة والمملحة إلى سوق القحمة الأسبوعي، الذي كان يُقام يوم الأربعاء، حيث يجدون فيه محطة لتسويق منتجاتهم البحرية، ويلتقون بالمتسوقين والباعة القادمين من القرى والمناطق المجاورة. ولم تكن تلك الرحلات مجرد نشاط تجاري، بل كانت مناسبة للتعارف وتبادل المنافع وتوطيد العلاقات التي امتدت لاحقًا إلى المصاهرة والقرابة بين أسر من الجانبين.
ومع مرور السنوات، بقيت هذه الروابط حاضرة في تفاصيل الحياة الاجتماعية، تتوارثها العائلات جيلًا بعد جيل، حتى غدا الحديث عن القحمة وفرسان حديثًا عن ذاكرة واحدة، وإن اختلفت ضفافها.
شاطئ فرسان.. حين تستعيد الصداقة حكاياتها
واليوم، ومع اعتدال الأجواء، تستقبل جزر فرسان أعدادًا من الزوار الذين يجدون في طبيعتها البحرية ومياهها الصافية وشواطئها الممتدة ملاذًا للراحة وتجديد النشاط. وبين الخيارات التي تستأثر باهتمام الزوار، تبرز جلسات الشاطئ وممارسة صيد الأسماك بالأدوات التقليدية المتاحة، في تجربة تجمع متعة البحر بروح المغامرة والتنافس الودي.
هناك، لا يكون الصيد مجرد محاولة للظفر بسمكة، بل يتحول إلى طقس اجتماعي يستعيد فيه الأصدقاء ذكرياتهم، ويتبادلون الأحاديث والضحكات، ويتنافسون في مهارة الصيد، بينما تتسع أمامهم فسحة من الهدوء والصفاء بعيدًا عن إيقاع الحياة اليومية.
وفي إحدى هذه الجلسات على شاطئ فرسان، التقت مجموعة من الأصدقاء جمعتهم سنوات الدراسة ورفقة العمر، وكان من بينهم أحمد علي العبسي، المتقاعد والمشرف التربوي سابقًا، ومن سكان القحمة، وزميله أحمد علي الحميدي من الشقيق، والعم أحمد الحفاف.
جلسوا على مقربة من البحر، يتقاسمون متعة المكان وهواية الصيد، وكأن الشاطئ أعاد إليهم شيئًا من أيام الدراسة ودفء الصحبة القديمة. تتنقل الأحاديث بين ذكريات الماضي ومواقف الزمالة، فيما تظل أعينهم معلقة بحركة الماء وخيوط الصيد، في مشهد تتداخل فيه متعة الرحلة ببهجة اللقاء.
وأبدى الحاضرون إعجابهم بفرسان وأهلها، وما تتميز به من طبيعة بحرية خلابة وهدوء وجمال، مشيدين بكرم أهل الجزيرة وحسن استقبالهم، وبما تمنحه شواطئها من فرص للاستجمام وممارسة الأنشطة البحرية.
البحر الذي لا تنقطع حكاياته
إن ما يجمع القحمة وفرسان ليس مجرد تاريخ لتجارة الأسماك أو ذكريات سوق أسبوعي، بل نموذج لعلاقات اجتماعية صنعتها الجغرافيا وعززتها المصالح المشتركة، ثم حفظتها صلة الرحم والصداقة والمواقف الإنسانية.
ومن سوق الأربعاء القديم إلى جلسات الصيد على شواطئ فرسان اليوم، تتغير وسائل التواصل، لكن جوهر العلاقة يبقى كما هو؛ محبة تتوارثها الأجيال، وصحبة تجددها اللقاءات، وبحر ظل شاهدًا على حكاية لم تنتهِ فصولها بعد.
ففي هذه المسافة التي تبدو قصيرة على خريطة البحر، تختزن القحمة وفرسان تاريخًا أطول من الطرق، وأعمق من المسافات؛ تاريخًا عنوانه أن البحر قد يفرق بين اليابستين، لكنه لا يستطيع أن يفرق بين القلوب التي ألفت بعضها






