
سكن.. رسالة تنموية تعانق القمم وتعيد صياغة الأمل في بيوت الجبال
من أعالي فيفاء، حيث تتعانق القمم مع السحاب، تنطلق رسالة تنموية تتجاوز بناء المساكن إلى صناعة الطمأنينة، وترسيخ كرامة الإنسان، ومنح الأسر الأشد حاجة فرصة لحياة أكثر استقرارًا.
ليست الجبال، على ما تختزنه من جمالٍ وهيبة، موطنًا يسيرًا للحياة دائمًا؛ فخلف المشاهد التي تأسر الأبصار، والقرى التي تتناثر على حواف السفوح، حكايات إنسانية لا تظهر للعين العابرة. هناك أسرٌ تواجه مشقة التضاريس، وتباعد المسافات، وتحديات الحصول على مسكن يلائم احتياجاتها، ويمنح أفرادها حقهم الطبيعي في الأمان والاستقرار.
وفي تلك الجغرافيا التي يبدو فيها الوصول إلى بعض البيوت رحلةً بين الصخر والضباب، تتجلى قيمة المبادرات التي لا تكتفي برؤية المكان، بل تنفذ إلى احتياجات أهله؛ فالسكن ليس جدرانًا تقي الإنسان حرّ الصيف وبرد الشتاء فحسب، وإنما هو وطن صغير تتكئ عليه الأسرة، وذاكرة تنمو في ظلالها الطفولة، وطمأنينة لا تكتمل الحياة من دونها.
من هذا المعنى الإنساني انطلقت جمعية سكن للاسكان التنموي بمحافظة فيفاء، حاملةً رسالة إسكانية وتنموية تستهدف الأسر الأشد حاجة في القطاع الجبلي بمنطقة جازان، ومؤمنةً بأن صعوبة التضاريس لا ينبغي أن تحرم الإنسان من حقه في مسكن آمن، وأن الجبال مهما ارتفعت تظل بحاجة إلى أيادٍ تمتد إليها بالعطاء، وإرادة تجعل من التحديات فرصًا للعمل والإنجاز.
من الحاجة إلى المبادرة
تأسست الجمعية في 11 أكتوبر 2021م، لتكون أول جمعية إسكانية بالقطاع الجبلي في جازان، وتؤسس لمسار متخصص في معالجة الاحتياجات السكنية للأسر المستحقة، وفق رؤية تراعي طبيعة البيئة الجبلية وخصوصية مجتمعاتها.
ولم تأتِ هذه المبادرة من فراغ؛ فقد أفرزت طبيعة المكان احتياجات إسكانية تتطلب حلولًا مختلفة، لا تنفصل فيها الجوانب الإنشائية عن الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية، ولا يُقاس نجاحها بعدد المساكن وحده، بل بقدرتها على إحداث تحول حقيقي في حياة المستفيدين.
وتعمل الجمعية على تقديم الخدمات الإسكانية والتنموية للفئات المستهدفة، وتوفير الحلول الاستشارية في مجال الإسكان والمساعدات السكنية، وتمكين الأسر المحتاجة من تملك المساكن، إلى جانب إيجاد حلول تمويلية وتطوير مساكن تنموية تستجيب لاحتياجات تلك الأسر.
إنها مقاربة تتجاوز مفهوم الإعانة المؤقتة إلى التمكين، وتنتقل بالمستفيد من انتظار المساعدة إلى امتلاك فرصة أكثر استدامة للاستقرار؛ فحين يجد الإنسان مسكنًا ملائمًا، فإنه لا يكسب مأوى فحسب، بل يستعيد مساحة من الطمأنينة، ويصبح أكثر قدرة على ترتيب حياته وصناعة مستقبل أبنائه.
زيارة تستكشف الأثر وتفتح آفاق الشراكة
وفي إطار تعزيز التواصل المجتمعي والتعريف برسالة الجمعية، استقبلت جمعية سكني عددًا من الشخصيات في زيارة تعريفية، أتاحت للزوار الاطلاع على برامجها ومشاريعها المنجزة، والتعرف على خططها المستقبلية ومبادراتها في مجال الإسكان التنموي.
وكان في استقبالهم المدير التنفيذي للجمعية المهندس عيسى فرح الفيفي، حيث مثّلت الزيارة فرصة للتعريف بمسيرة الجمعية وأهدافها، واستعراض جهودها في خدمة الأسر المستحقة، وما تتطلع إليه من توسيع نطاق مبادراتها وتعزيز أثرها في المجتمع الجبلي.
وتكتسب مثل هذه اللقاءات أهميتها من كونها تضع العمل التنموي أمام المجتمع بصورة مباشرة؛ فلا تبقى المبادرات حبيسة الخطط والتقارير، وإنما تصبح مجالًا للتفاعل والتعاون، وفرصة لاستقطاب الداعمين والمانحين، وبناء شراكات قادرة على تحويل الاحتياجات إلى مشروعات، والأفكار إلى منجزات تمس حياة الناس.
كما أن التعريف بالمشروعات الإسكانية المنفذة والخطط المستقبلية يفتح المجال أمام قراءة أوسع لواقع الإسكان في المحافظات الجبلية، ويؤكد أهمية تكامل الأدوار بين القطاع غير الربحي والجهات الحكومية والقطاع الخاص، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، وتوجيه الموارد نحو الأولويات الأكثر احتياجًا.
التنمية التي تبدأ من الإنسان
إن خصوصية العمل الإسكاني في فيفاء والقطاع الجبلي لا تكمن في طبيعة الأرض وحدها، بل في ضرورة فهم الإنسان الذي يعيش عليها. فالمسكن الملائم يحتاج إلى تخطيط يراعي الموقع، واحتياجات الأسرة، وسهولة الوصول، واستدامة الخدمات، فضلًا عن الحلول التمويلية التي تجعل التملك ممكنًا للأسر ذات الإمكانات المحدودة.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام جمعية سكني لا يقتصر على زيادة عدد المشاريع، بل يمتد إلى بناء نموذج تنموي تتكامل فيه المعرفة الهندسية مع المسؤولية الاجتماعية، وتتسع فيه دائرة المانحين والشركاء، ويصبح فيه قياس الأثر مرتبطًا بما تحقق للأسر من تحسن في ظروفها المعيشية.
وفي هذا السياق، تبرز الجمعيات المتخصصة بوصفها إحدى أدوات التنمية المجتمعية، لما تؤديه من دور في الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وتحديد أولوياتها، وتطوير المبادرات التي تستجيب لواقعها، وهو ما يجعل العمل الإسـكاني في المناطق الجبلية مسؤولية تتطلب رؤية طويلة المدى وشراكات مستمرة.
بيتٌ يختصر حكاية الأمان
في نهاية المطاف، قد تبدو البيوت من بعيد متشابهة في أبوابها ونوافذها وجدرانها، لكنها في حياة أصحابها تحمل معاني لا تقاس بمساحة البناء؛ فثمة بيت يعني لطفلٍ سريرًا آمنًا، ولأمٍّ قلبًا مطمئنًا، ولأبٍ شعورًا بأنه استطاع أن يوفر لأسرته مأوى يحفظ كرامتها.
وهنا تكمن القيمة الأعمق لرسالة جمعية سكني؛ أن تجعل من الإسكان طريقًا إلى الاستقرار، ومن العمل الخيري عملًا تنمويًا مستدامًا، ومن الجبال التي اعتادت مواجهة قسوة الطبيعة فضاءً يصل إليه العطاء






