
: ختب الشهباء.. من أعماق اللؤلؤ إلى ليالي الذاكرة، حكاية قرية لا تنسى البحر ولا جذورها
في الجهات التي يتسع فيها الأفق، ويبدو البحر كأنه امتداد للسماء، تختبئ قرية ختب الشهباء في أقصى الشمال الغربي من جزر فرسان، محتفظةً بشيء من سحر الأماكن التي لم تستسلم لتغيّر الزمن، ولا تخلّت عن ملامحها الأولى. هناك، حيث تعانق الرمال البيضاء زرقة الماء، وتنهض الصخور من بين الأمواج كأنها شواهد من ذاكرة الأرض، لا تبدو ختب مجرد قرية نائية، بل حكاية إنسان ظل وفيًّا لمكانه، واستمد من البحر رزقه، ومن العلم طريقه، ومن الموروث هويته.
في ختب، للبحر لغة لا يتقنها إلا الذين عاشوا على ضفافه، وعرفوا أسراره، وذهبوا إلى أعماقه بحثًا عن اللؤلؤ. فمنذ أزمنة بعيدة، ارتبطت حياة أهلها بالصيد واستخراج المحار، وكانت رحلات الغوص أكثر من مجرد سعي وراء الرزق؛ كانت اختبارًا للصبر والشجاعة، ومغامرة تختلط فيها رهبة الأعماق بأمل العثور على لؤلؤة تخبئ في جوفها ضوءًا صغيرًا من جمال البحر. ومن تلك الرحلات تشكّلت حكايات الآباء والأجداد، وبقيت آثارها حاضرة في وجوه الأبناء، وفي أحاديثهم وفنونهم الشعبية واعتزازهم بتاريخهم البحري.
ولعل ما يمنح ختب خصوصيتها أن أهلها لم يجعلوا من بعدها الجغرافي عائقًا أمام طموحهم؛ فقد عُرفت بين أبناء فرسان بلقب «قرية المهندسين»، بعدما جعلت من التعليم نافذة واسعة على المستقبل، فتخرج منها الأطباء والمهندسون والمعلمون وغيرهم من الكفاءات الوطنية. وهكذا اجتمع في هذه القرية أمران يبدوان متباعدين، لكنهما يلتقيان في روح الإنسان: أصالة البحّار الذي يعرف طريقه إلى الأعماق، وطموح المتعلم الذي يعرف طريقه إلى آفاق العلم والمعرفة.
أما أرض ختب، فلها من الجمال نصيب لا يقل عن جمال أهلها. شواطئ تمتد في هدوء، ومياه تتدرج ألوانها بين الأزرق والفيروزي، وتكوينات صخرية حفرت الأمواج ملامحها على امتداد السنين. وفي شاطئ العيقة تتجلى الطبيعة في واحدة من صورها الآسرة؛ صخور شامخة تبدو كأنها منحوتات فنية، ومياه صافية تكشف عن قاع البحر، وأفق مفتوح تتعانق عنده زرقة السماء بزرقة الماء. هناك، لا تحتاج الطبيعة إلى كثير من الوصف؛ فالصخرة تحكي، والموج يروي، والشمس تضع لمستها الأخيرة على لوحة لا تتكرر.
وتتوزع حول القرية شواطئ المرقد والماشي والصايلة والشرمين وعيقة السواعي، وكل واحد منها يحمل ملامح مختلفة من الجمال الفَرَساني؛ حتى ليخيّل للزائر أن البحر اختار لكل شاطئ حكاية، ولكل صخرة هيئة، ولكل زاوية سرًّا لا يبوح به إلا لمن يمنح المكان وقته.
غير أن ختب لا تستمد حضورها من طبيعتها وحدها؛ ففيها حياة ثقافية واجتماعية تتجدد مع موسمها السنوي «ليالي الشهباء»، الذي أصبح موعدًا يلتقي فيه أبناء القرية وضيوفها، وتعود من خلاله الذاكرة الشعبية إلى الواجهة، في مشهد يجمع الثقافة بالموروث، والاحتفاء بالمكان بالاعتزاز بالإنسان.
وقد حملتني دعوة كريمة من ابن ختب البار، المرشد السياحي والإعلامي الأستاذ عثمان محمد حمق، إلى حضور إحدى أمسيات هذا الموسم؛ فكانت ليلة بقيت تفاصيلها عالقة في الذاكرة. كان عثمان حاضرًا في المشهد بروح ابن المكان الذي يعرف تفاصيله، ويؤمن بأن القرى لا تحفظ تاريخها بالكلمات وحدها، وإنما بما يقيمه أبناؤها من مبادرات، وما يبذلونه من جهد في إحياء تراثها وتعريف الآخرين بمقوماتها.
اجتمع في تلك الأمسية عدد من الشخصيات الاجتماعية والثقافية البارزة في الجزيرة، وفي مقدمتهم شيخ شمل فرسان الشيخ محمد هادي الراجحي، وكان ضيف اللقاء الأستاذ الدكتور عبدالرحمن هيجان، عضو مجلس الشورى. ولم تكن الأمسية مجرد لقاء تتعاقب فيه الكلمات، بل كانت مساحة لاستعادة ذاكرة القرية، والاحتفاء بأهلها، وإبراز ما تختزنه من قيم ومعارف وتجارب إنسانية.
وبعد الأمسية، امتد اللقاء إلى مائدة العشاء، وهناك أخذت الحكاية وجهًا آخر؛ وجوه الصيادين، ورجال البحر، وأصحاب الخبرة في استخراج اللؤلؤ، وأحاديث تستدعي زمن الغوص ورحلاته، فيما كانت الفنون الشعبية تستعيد إيقاعها، وكأنها تنفض عن الذاكرة غبار السنين. في تلك اللحظات أدركت أن التراث ليس ما نحتفظ به في الصور والكتب فحسب، بل ما يظل حيًّا في سلوك الناس، وفي أصواتهم، وفي طقوس اجتماعهم، وفي قدرتهم على توريثه لأبنائهم.
ولعل أجمل ما في «ليالي الشهباء» أنها تأتي من قرية تعرف قيمة المسافة، لكنها لا تسمح لها بأن تتحول إلى عزلة. فبرغم بعدها عن مركز الجزيرة، يحرص أهلها على إحياء موسمهم الثقافي، وتجديد اللقاء، واستحضار تقاليدهم وفنونهم، في رسالة تقول إن الانتماء لا تقاس درجاته بقرب المكان أو بعده، وإنما بما يحمله الإنسان من وفاء لأرضه وذاكرته.
إن هذا الموسم بما يتضمنه من لقاءات ثقافية وفنون شعبية واحتفاء بالموروث، يمثل فرصة لتوسيع حضور ختب على خارطة السياحة الثقافية والبحرية في فرسان؛ فالمكان يمتلك مقومات طبيعية تستحق التعريف، وتاريخًا بحريًا يستحق التوثيق، وموروثًا إنسانيًا يمكن أن يتحول إلى تجربة سياحية متكاملة، تتيح للزائر أن يتعرف على حياة الغوص واللؤلؤ، ويستمع إلى روايات الصيادين، ويكتشف شواطئ القرية وتكويناتها الصخرية، ويعيش شيئًا من تفاصيل الحياة الفَرَسانية الأصيلة.
غادرت ختب، لكن شيئًا منها ظل عالقًا في الذاكرة؛ ربما كان لون البحر عند شاطئ العيقة، أو هيئة الصخور التي نحتتها الأمواج، أو أصوات الرجال وهم يستعيدون حكايات البحر، أو تلك الروح التي جعلت من «ليالي الشهباء» موعدًا لا يريد أهل القرية التفريط فيه.
وتبقى صورة عثمان محمد حمق، ابن المكان ومرشده السياحي والإعلامي، وهو يستحضر تفاصيل قريته ويعرّف الآخرين بجمالها وموروثها، صورةً تختصر معنى الانتماء؛ أن تكون ابن قرية لا تكتفي بأن تفخر بتاريخها، بل تسعى إلى أن تمنحه حياة جديدة، وأن تجعل من جمالها رسالة تصل إلى الآخرين.
هكذا هي ختب الشهباء؛ قرية يسكن البحر شواطئها، ويسكن اللؤلؤ ذاكرتها، ويضيء العلم مستقبل أبنائها، فيما تظل تقاليدها ومواسمها الثقافية خيطًا ممتدًا يصل الحاضر بالماضي.
فليست عظمة القرى في اتساع طرقها، ولا في ارتفاع مبانيها، وإنما في قدرتها على الاحتفاظ بروحها. وختب، التي علّمت أبناءها كيف يبلغون آفاق العلم دون أن ينسوا جذورهم، وكيف يذهبون إلى أعماق البحر دون أن يفقدوا شاطئهم، تظل واحدة من تلك القرى التي لا يغادرها الزائر كما جاء؛
لأنها تمنحه، إلى جانب جمال المكان، حكاية إنسان تستحق الحديث والتوثيق عنها













