
بيت الثقافة بجازان يستعيد ذاكرة المرأة.. حكاية الأزياء والحُلي و المكان
ليست الأزياء القديمة مجرد أثواب تُطوى في خزائن الزمن، ولا الحُلي قطعًا من فضة وذهب فقدت بريقها مع تعاقب السنين؛ إنها ذاكرة إنسانية تحفظ ملامح الحياة، وتختزن في خيوطها وألوانها وزخارفها حكايات النساء، وأفراح البيوت، وطقوس المناسبات، وما تناقلته الأجيال من ذوقٍ ومعرفة وانتماء. وفي جازان،
حيث تتنوع التضاريس بين الجبال والسهول والجزر، تتعدد صور هذا الموروث، كأن كل قطعة منه صفحة من كتاب قديم ما زال مفتوحًا على حكايات المكان وأهله.
من هذه الذاكرة العريقة، استعاد بيت الثقافة بجازان، مساء الثلاثاء 27 أكتوبر 2026م، جانبًا من التراث النسائي في المنطقة، تزامنًا مع اليوم العالمي للتراث المرئي والمسموع، من خلال معرض وثّق نماذج من الأزياء التقليدية والحُلي وأدوات التجميل والعطور والفنون الأدائية، في محاولة لاستحضار ملامح من حياة المرأة الجازانية، وصون تفاصيل تراثية تستحق أن تبقى حاضرة في وجدان الأجيال.
ثيابٌ تروي سيرة المكان
في المعرض، لم تكن الأثواب مجرد معروضات صامتة خلف واجهات العرض؛ فقد حمل كل منها شيئًا من بيئته، وأفصح عن جانب من حياة المرأة التي ارتدته، وعن مهارة الأيدي التي نسجته وزيّنته، وعن الذائقة التي صنعت من الثوب علامةً اجتماعية وجمالية تتوارثها الأسر.
وبرز ثوب الميل، الذي اشتهرت النساء في جازان بتطريزه، وثوب المتللّة المطرز بالتلّ، المرتبط بتراث جزر فرسان، إلى جانب الكرتة المشغلة التي تأثرت أقمشتها وزخارفها بالتبادل التجاري والثقافي القديم، وثوب الدَّمْس الذي عُرف في جبال سلا والعبادل بمحافظة العارضة. وتكشف هذه النماذج، على اختلاف أشكالها وأساليب تزيينها، عن ثراء الملبوسات النسائية في المنطقة، وعن قدرة المجتمع على الاحتفاظ بخصوصيته مع انفتاحه على المؤثرات المحيطة به.
ولم تكن زينة المرأة أقل حضورًا من ثيابها؛ فقد استعاد المعرض ملامح من أناقة الماضي، من الحُلي الفضية القديمة وأغطية الرأس إلى المنديل الجنوبي الأصفر وأطواق الرأس المصنوعة من الخرز في القطاع الجبلي. كما حضر «مِصرّ الترتر»، المرتبط بلباس العروس قديمًا، في صورة تستدعي أجواء الأفراح ومكانة الزينة في الذاكرة الاجتماعية.
وكان للفل نصيبه من الحكاية؛ تلك الزهرة التي تجاوز عبيرها حدود الطبيعة ليصبح جزءًا من هوية الأفراح الجازانية، تتزين بها النساء وتنسج منها عقودًا تكلل المناسبات بعبق المكان. وإلى جوارها حضرت أدوات التجميل القديمة، ومنها كحل الإثمد، ومجموعة من العطور التي احتفظت بها بعض الأسر، فضلًا عن نماذج من الدمى المصنوعة من خشب شجرة العُشر، بما تحمله من دلالات على بساطة الحياة وابتكار أدواتها من موارد البيئة المحلية.
فنون نسائية تحفظ صوت الذاكرة
ولأن التراث ليس ما تراه العين وحدها، بل ما تسمعه الروح أيضًا، امتد المعرض إلى الفنون الغنائية والأدائية التي صاحبت حياة المرأة الجازانية في مناسباتها الاجتماعية.
واستعاد الزوار فن الرَّجْحة، بما يرتبط به من أهازيج وأداء نسائي في مناسبات الزواج، إلى جانب فن الهندول وما يحمله من إيقاعات وممارسات متوارثة. وهي فنون لم تكن يومًا مجرد ألحان عابرة، بل تعبيرًا عن وجدان المجتمع، ووسيلةً تتشارك من خلالها النساء الفرح، وتحفظ بها الذاكرة الشعبية أصداء مناسبات مضت، لكنها لم تغب عن الوعي الجمعي.
ففي مثل هذه الفنون تتجاوز الحكاية حدود الكلمات؛ إذ تتوارثها الأجيال بالمشاهدة والسماع والممارسة، وتبقى حية ما دام هناك من يعرف دلالاتها، ويحفظ ألحانها، ويدرك ما وراءها من معانٍ اجتماعية وإنسانية.
فنون عقيلي.. التراث هوية لا تغيب
وأوضحت الباحثة في مجال التراث الأستاذة فنون عقيلي أن منطقة جازان تزخر بموروث ثقافي غني، وأن المعرض يقدم جانبًا من تاريخ الأزياء النسائية ومقتنياتها، ويبرز قيمتها الفنية والتاريخية، بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية للمنطقة.
وقدمت العقيلي للزوار نبذة عن المقتنيات التاريخية التي تحتفظ بها جازان، شملت أنماط اللباس والزينة والعطور التي عُرفت بها بعض الأسر قديمًا، مسلطةً الضوء على ما تحمله هذه المقتنيات من شواهد على أنماط الحياة والعادات الاجتماعية، وعلى ما اكتسبته المرأة الجازانية من خبرة في اختيار لباسها وتزيينه، وفق بيئتها ومناسباتها.
وشهد المعرض تفاعلًا من الزوار الذين تنقلوا بين أركانه، متأملين تفاصيل الأزياء والحُلي، ومستمعين إلى الشروح التي أعادت إلى المقتنيات شيئًا من سياقها التاريخي والاجتماعي. ولم يكن هذا التفاعل مع المعروضات وحدها، بل مع ما تستدعيه من ذكريات وصور عن الجدات والأمهات، وعن بيوت كانت العطور تفوح من أركانها، والأثواب المطرزة تحفظ في صناديقها، وأصوات الأهازيج تتعالى في ليالي الأفراح.
حين يصبح التراث أمانة الأجيال
إن قيمة مثل هذه المعارض لا تقف عند حدود عرض المقتنيات أو التعريف بأسمائها، بل تمتد إلى إعادة وصل الحاضر بماضيه، وتذكير الأجيال الجديدة بأن الهوية لا تُصنع من فراغ، وإنما تتشكل من تفاصيل الحياة اليومية، ومن ذاكرة البيوت، ومهارات الحرفيين، وأصوات المغنين، وما تركه الآباء والأجداد من شواهد على أسلوب عيشهم وتعبيرهم عن الجمال والفرح والانتماء.
وفي جازان، حيث تتجاور الجبال بثرائها الثقافي، والسواحل بذاكرتها البحرية، والجزر بما اختزنته من عادات وتقاليد، تبدو الأزياء النسائية والحُلي والفنون الشعبية أكثر من موروث محلي؛ إنها وثائق إنسانية تروي كيف عاشت المرأة، وكيف عبّرت عن ذاتها، وكيف جعلت من المتاح في بيئتها جمالًا يتوارثه الأبناء.
وهكذا، أعاد بيت الثقافة بجازان فتح نافذة على زمن لم ينقطع أثره، وأتاح للزائر أن يرى في ثوب قديم حكاية امرأة، وفي عقد فل عبير مناسبة، وفي قطعة فضية أثر يدٍ ماهرة، وفي نغمة شعبية صدى فرحٍ لا يزال يتردد في ذاكرة المكان.
فالأوطان التي تحفظ تراثها لا تستعيد الماضي من أجل الحنين إليه فحسب، بل تصونه ليكون جسرًا إلى المستقبل؛ إذ لا يكتمل التقدم بفقدان الذاكرة، ولا تترسخ الهوية إلا حين تعرف الأجيال جذورها، وتدرك أن ما ورثته ليس بقايا زمن مضى، بل أمانة ثقافية وإنسانية تستحق الحفظ والتوثيق والرواية، جيلاً بعد جيل















